و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

حكم تاريخي لـ«الاستئناف»

3 مبادئ قضائية تنسف عقود الزواج العرفي وتقضي على ألاعيب «الزنا المقنن»

موقع الصفحة الأولى

شهدت محكمة الاستئناف تحولا جذرياً يمثل ضربة قاصمة لظاهرة "الزواج العرفي" التي تستغل كمظلة للتحايل على الشرع والقانون، بعدما أصدرت حكما قضائيا استثنائيا وغير مألوف، فلم تقف الاستئناف عالي الأسرة عند الشكليات المعتادة لإثبات العلاقات الزوجية، بل غاصت في عمق المفهوم الأخلاقي والتشريعي للنظام العام في المجتمع الإسلامي.

ويمثل حكم الاستئناف رقم 13049 لسنة 7 ق، الصادر بتاريخ 28 أكتوبر 2025، وثيقة قضائية حاسمة لإسقاط القناع عما يمكن تسميته بـ "الزنا المقنن" أو العلاقات المؤقتة المقنعة بورقة عرفية، حيث قررت المحكمة أن عقد الزواج ليس مجرد آلية قانونية لتسوية الأوضاع حين ينكشف المستور، بل هو ميثاق غليظ يرتبط بالنظام العام للمجتمع، ولا يجوز إطلاقا اتخاذه ذريعة لتقنين أوضاع لا ترضي الله ولا رسوله، ولا تتفق مع المقاصد العليا لـ الشريعة الإسلامية.

وتبدأ تفاصيل هذه القضية المثيرة عندما أقامت سيدة (المدعية) دعوى قضائية أمام محكمة أول درجة، تطالب فيها بإثبات علاقة زوجية ناشئة عن عقد زواج عرفي، وكان العقد يحمل مظهر الأوراق العرفية المعتادة، ولم يطعن الزوج (المدعى عليه) عليه بالتزوير في البداية. بل إن المفاجأة تمثلت في أن محامي الزوج، الذي حضر بوكالة عنه أمام محكمة أول درجة، أقر بوجود العلاقة الزوجية بناءً على هذا العقد وتصالح على الطلبات.

بناءً على هذا الإقرار الشكلي، وسيراً على الأحكام التقليدية السابقة، اعتبرت محكمة أول درجة أن هذا الاعتراف يمثل حجة قاطعة على ثبوت الزواج، وأصدرت حكمها بإثبات العلاقة الزوجية بين الطرفين.

لكن خلف هذا الإقرار كانت هناك فصول أخرى تدبر، فالزوج سرعان ما انتفض عندما أدرك الأبعاد القانونية والشرعية للمأزق، وتبين له حسب الدفوع اللاحقة، أن هذا العقد باطل وفاسد شرعاً، نظراً لخلوه التام من ركائز الزواج الحقيقي من وجود ولي شرعي أو شهود عدل. وهنا تحول موقف الزوج تحولاً درامياً؛ إذ قرر إنهاء العلاقة وفسخها فوراً، متعلّلاً بحرمة استمرار علاقة تقوم على عقد باطل، لتبدأ المعركة الحقيقية أمام محكمة الاستئناف.

لم يرتض الزوج بالحكم الصادر ضده، فتقدم بطعن أمام محكمة استئناف القاهرة في أكتوبر من عام 2025، وتضمنت مذكرة استئنافه دفوعاً ومصطلحات غاية في الغرابة من حيث الصراحة، لكنها في الوقت ذاته اتسمت بالمنطقية الشديدة والعمق القانوني.  

وتمسك المستأنف بفساد العقد بطلاناً مطلقاً لكونه "نكاحاً بلا ولي وبلا شهود"، مؤكداً أنه قام بفسخه وإلغائه بموجب إقرار مكتوب فور علمه بحرمته، تجنباً للوقوع في الإثم والمعصية، كما دفع بصورية العقد وجديته.

وجاء في نص مذكرة الاستئناف توصيف دقيق وصادم لطبيعة هذه الورقة العرفية، حيث ذكرت المذكرة: "إن الغرض الحقيقي من تحرير ورقة الزواج العرفي السند لم يكن رغبة في بناء أسرة أو تأسيس زواج شرعي مستقر، بل كان مجرد إضفاء شكل قانوني ظاهري على علاقة مؤقتة بين الطرفين، تمكنهما من الخلوة ببعضهما البعض. ولما انتهى الغرض وتبخرت الرغبة المشتركة، قام الطرفان بإلغاء هذا العقد بصيغة اتفاق أطلقوا عليها لفظ (طلاق). وحيث إن التلاعب بأمور النكاح غير الجادة لا يرتب أي آثار قانونية أو شرعية، فإن هذا العقد يعد عقداً فاسداً باطلاً لا يجوز للمحكمة أن تضفي عليه الشرعية."

كما فجرت المذكرة مفاجأة إجرائية وثيقة الصلة بالنظام القضائي، حيث أشارت إلى أن المدعى عليه (الزوج) لم يحضر بشخصه أمام محكمة أول درجة ليقر بالزواج، بل الذي حضر هو "وكيل الوكيل" (محامٍ ناب عن المحامي الأصيل)، وهو ما يبطل الإقرار صراحة من الناحية الإجرائية، فالمذكرة كانت تقول بعبارات واضحة لا غبار عليها: إن هذه الأوراق ليست زواجاً، بل هي غطاء شكلي لعلاقة نفعية مؤقتة، وإذا زالت الرغبة، قطّع الطرفان الأوراق، وهذا تلاعب واستهانة بمقدسات الشريعة.

وأخذت محكمة الاستئناف العالي للأسرة هذه الدفوع بجدية بالغة، ولم تحتج المحكمة إلى جولات طويلة من المداولات، بل حسمت أمرها وأصدرت حكمها الحاسم عقب الجلسة الأولى مباشرة، وقضت المحكمة بإلغاء حكم محكمة أول درجة بالكامل، ورفض دعوى إثبات الزواج ابتداءً.  

ولم تكتفِ المحكمة بالمنطوق، بل أرست ثلاثة مبادئ قضائية وتشريعية من العيار الثقيل، لتصبح مبادئ قضائية للمحاكم في مواجهة فوضى الزيجات العرفية.

3 مبادئ قضائية

المبدأ الأول: بطلان الإقرار المخالف للنظام العام، حيث قضت المحكمة بأن أي إقرار أو تصالح يصدر من الخصوم على أمر يخالف النظام العام والآداب، أو يصطدم بقطعیات الشرع والقانون، هو إقرار باطل بطلاناً مطلقاً، ولا يجوز للمحكمة أن تأخذ به أو تعول عليه، حتى وإن صدر هذا الإقرار بمجلس القضاء وأمام القاضي علانية؛ لأن مشروعية المحل والسبب تعلو فوق إرادة الخصوم.

المبدأ الثاني: القيود الصارمة على صحة الإقرار بالوكالة، وأكدت المحكمة في مبدئها الثاني أن الإقرار بالحقوق اللصيقة بالشخصية -وعلى رأسها علاقة الزوجية- يجب أن يصدر من الشخص نفسه، أو بموجب وكالة خاصة صريحة تجيز الإقرار بوضوح. وبالتالي، فإن "وكيل الوكيل" لا يملك من الناحية القانونية سلطة الإقرار بالزواج، وما يصدر عنه في هذا الشأن يقع حابط الأثر لا قيمة له.

المبدأ الثالث: الشروط الشرعية قطعية ولا بديل عنها، وحسمت المحكمة الجدل الفقهي والقانوني بإقرارها أن ما يُسمى بالزواج العرفي، حتى وإن أُثبت في ورقة مكتوبة، فإنه مشروط شرطاً وجوبياً بتوافر الأركان الشرعية والقانونية التي حددها الدين الحنيف. فلا يمكن الاعتداد بأي زواج يخلو من الولي الشرعي للمرأة، أو يخلو من شهود العدل، أو يخلو من تسمية الصداق (المهر)، فغياب هذه الأركان يحيل العقد مسخاً فاسداً لا يرتب أي أثر.

وصاغت المحكمة حيثيات حكمها التاريخي في 8 صفحات كاملة، اتسمت بالعمق والجزالة وفحصت فيها العقد العرفي فحصاً مجهرياً. وجاء في النص القاطع للمحكمة: "وهدياً بما تقدم وأخذاً به، وكان الثابت للمحكمة من مطالعة عقد الزواج العرفي سند المستأنف ضدها في إقامة دعواها أمام محكمة أول درجة والمؤرخ 3 يناير 2024، والذي تبين أنه لم يتضمن صداقاً مسمى بينهما ولا شهوداً على العقد، رغم أن باستقراء بنوده تجدها مبناها وركيزتها تتساند لتلاوتها أمام الشهود الغائبين فعلياً لتتحقق شروط صحة العقد. وقد خلا العقد تماماً من الضوابط الشرعية والقانونية الواجب توافرها لصحة انعقاده.

 وكان المستأنف قد طلب إلغاء الحكم المستأنف لفساده وطلب فسخه، ونعى بصحيفة استئنافه على الحكم المستأنف الخطأ في تطبيق القانون ومخالفة الثابت بالأوراق والإخلال بحق الدفاع والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، لتضمين الحكم الطعين وقائع على خلاف حقيقة الواقع من مثول المستأنف أمام محكمة أول درجة وتسليمه بالطلبات للمستأنف ضدها."

وتابعت محكمة الاستئناف: "وهو ما تستخلص منه المحكمة أن طلبات المستأنف ضدها أمام محكمة أول درجة قد جاءت على غير سند من الواقع والقانون متعين القضاء برفضها. ولا ينال من ذلك ما أثبت أمام محكمة أول درجة من تسليم وكيل المستأنف بالطلبات -أياً كان مدى صحته من عدمه وفق ما سلف بيانه- فإنه لا يجوز التصالح على ما يخالف القانون والشرع والنظام العام، ولا يؤخذ به لعدم مشروعية محله وسببه. وإذ خالف الحكم المستأنف هذا النظر بما يستوجب إلغاءه والقضاء برفض الدعوى المبتدئة وفق ما سيرد بالمنطوق."

ويقطع حكم الاستئناف الطريق أمام أي محاولة لشرعنة العلاقات المشبوهة، ويوضح أن المحكمة فطنت للعبة التظاهر بالزواج والتسليم القضائي الشكلي، لتقرر أن مقاصد النكاح أسمى من أن تكون مجرد ورقة تُكتب لغرض مؤقت ثم تُمزق.

وجاء حكم الاستئناف متناغما ومنسجما مع مبادئ محكمة النقض، حيث ذكر في حيثيات هذا الاتجاه الحكم التاريخي الصادر من محكمة النقض في الطعن المقيد برقم 1661 لسنة 95 قضائية، والذي يُعد حجر الزاوية في تجريم وفضح "الزواج العرفي" فاقد الأركان، حيث وصفه بـ "الباطل بطلاناً مطلقاً". وقد أسس حكم النقض لـ 10 مبادئ قضائية صارمة، كان من أبرزها وأشدها وضوحا: أن الزواج العرفي الذي يتم في غيبة الولي الشرعي للمرأة، أو بدون حضور شهود عدل يسمعون الصيغة ويشهدون على العقد، أو دون تحديد مهر وصداق حقيقي، هو زواج باطل شرعاً وقانوناً.

وأن هذا العقد الفاسد لا ينتج أي أثر من آثار الزوجية الصحيحة، فلا تجب به نفقة، ولا يثبت به توارث، ولا يبيح المساكنة، لكونه والعدم سواء، ولا يجوز للمحاكم إضفاء الشرعية عليه تحت أي مبرر.

وجاء حكم استئناف الأسرة ليعيد إحياء وتطبيق هذه المبادئ بصلابة، ليؤكد أن القضاء المصري يقف بالمرصاد لكل من يحاول اتخاذ الصيغ العرفية وسيلة لهدم قيم المجتمع والالتفاف على أحكام الأسرة المستمدة من الشريعة الإسلامية.

ويضع ذلك الحكم التاريخي والمدعوم بأحكام محكمة النقض، حدا فاصلا وعقوبة معنوية وقانونية صارمة لظاهرة الزواج العرفي غير المستوفي للشروط. لقد ضربت محكمة الاستئناف هذا النمط من الزواج في مقتل، ورفعت صوتها عالياً بكلمة الحق: "الزواج له قدسية، وله شروط وأركان قطعية لصحته".

ورسخت محكمة الاستئناف القاعدة الذهبية التي تحمي الفتيات وتحمي المجتمع من السيولة الأخلاقية: لا زواج بلا ولي، ولا زواج بلا شهود عدل، ولا زواج بلا صداق مسمى.

تم نسخ الرابط