وكأنه قدر ومكتوب على منطقة "الشرق الأوسط" أن تعيش في أزمات وتوترات وأن تصبح ساحة مواجهة بين لأعبين خارج حدودها، تخيم على المنطقة حالة من عدم الاستقرار، حيث تداعيات التوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر وإغلاق مضيق هرمز على خلفية الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية، بالرغم من شدة الرياح العاتية التي خيمت على اجواء منطقة الشرق الاوسط إلا ان دول المنطقة استطاعت من خلال التحلي بالصبر والحكمة وإعمال العقل ان تنجو من الوقوع في أتون مخطط شيطاني كان يريد جرها إلى مستنقع الفوضى وصراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
مرت دول الشرق الأوسط بأيام شديدةَ القسوة، حين أرسل "ترامب" حملات طائراته الشبحية وقاذفاته إلى المنطقة، لتدك المنشآت النووية الإيرانية، حتى ان المقاتلات الإسرائيلية التي شاركت في الهجوم قد جالت في سماء طهران وكأنها في نزهة، مما دفع بإيران إطلاق صواريخها ومقذوفاتها ومسيراتها لضرب منشآت في دول الخليج وبعض المدن في إسرائيل.
لم تكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أول واخر مواجهة شهدتها منطقة الشرق الأوسط، بل انها تعد من أكثر مناطق العالم إنتاجاً للحروب بمختلف مسمياتها وأنواعها، كما تنفرد عن باقي مناطق العالم بأن حروبها من النوع الذي لا يُنتهي بشكل حاسم من الضربة الاولي، فمنذ أول حرب إلى آخر حربٍ كتلك التي اندلعت مواجهتها مؤخرا ببن الولايات المتحدة، وإيران وتوقفت بتهدئة مؤقته لم تصل الي أي تسويةٍ أو اتفاقيةٍ تنهي الحرب.
راهنت إسرائيل على هذه الحرب التي شاركت فيها بجانب الولايات المتحدة الأمريكية ووضعت أهدافا من أجلها منها تفتيت إيران وإضعافها وسقوط نظامها وتقسيمها إلى عدة دول، إضافة إلى إضعاف دول المنطقة حتى يتحقق حلم نتنياهو رسم خريطة جديدة للإقليم تكون إسرائيل القوي الكبري الفاعلة فيه تمهيدا لإنشاء إسرائيل الكبرى.
محاولات استخباراتية
مارست واشنطن كل محاولات توريط المملكة العربية السعودية للمشاركة في الحرب على إيران إلا ان المملكة رفضت رفضا قاطعا أن يكون لها دور في هذه الحرب ليس هذا فقط بل إنها رفضت استخدام مجالها الجوي لضرب إيران مما أثار غضب واشنطن من الرياض، ونشرت صحيفة "وول استريت جورنال" الأمريكية بأن الأمير محمد بن سلمان كان يضغط على ترامب لشن الحرب على إيران، كما ان وكالة "رويترز" نشرت تقريرا بأن السعودية شنت هجمات على الداخل الإيراني، فكل هذه المحاولات الاستخباراتية التي مورست علي السعودية لجرها إلى الحرب بائت كلها بالفشل، ولم تنجح في توريط الرياض.
وكان مقال الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية السابق في صحيفة "الشرق الأوسط اللندنية" في الحادي عشر من مايو الجاري كاشفا لموقف المملكة السعودية من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فوفقا للأمير الفيصل بأن الرياض رفضت التورط بضرب إيران رغم أنها كانت تستطيع ذلك ولو نجحت الخطة الإسرائيلية في إشعال الحرب بيننا وإيران لتحولت المنطقة إلى حالة من الخراب والدمار وخسارة الآلاف من أرواح أبنائنا وبناتنا في معركة ما كان لنا فيها لا ناقة ولا جمل، و لنجحت إسرائيل في فرض إرادتها على المنطقة وبقيت الفاعل الوحيد في محيطنا، لقد نجحت المملكة بحكمة وبُعد نظر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في تفادي ويلات الحرب وتداعياتها المدمرة.
لا بل هي الآن مع باكستان تطفئ نار القتال وتسهم في منع التصعيد وتعطي الأمل لدعاة السلام في أن يطمئنوا على أرواح ذويهم وسلامة مصالحهم، وأما دعاة الحرب فيستمرون في عنجهيتهم ونعيقهم، وقد لا يفطنون إلى أن البساط سُحب من تحت أقدامهم، ولم يترك الأمير محمد بن سلمان لإيران أن تفرق بين أخوة دول الخليج، فعاضد وتضامن مع كل القيادات الخليجية وسخّر لهم ولشعوبهم مسارات التجارة والتمويل عبر طرق ومطارات وموانئ المملكة، بل أكد للجميع أن أمنهم هو أمن المملكة، وأن المملكة ستدعم كل ما يقومون به من خطوات لحفظ أمنهم واستقرارهم، وسوف تبقى المملكة على العهد دائماً مع أشقائها.
وكانت وكالة بلومبيرج الأميركية، قد كشفت نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة، بأن دولة الإمارات العربية المتحدة حاولت إقناع دول خليجية، من بينها السعودية وقطر، بالمشاركة في رد عسكري منسق ضد إيران عقب اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران، إلا أن تلك المحاولات فشلت في إقناع هذه الدول الانخراط في المواجهة، معتبرة أن "هذه ليست حربها ونقلت بلومبيرج بأن الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية والأمير تميم بن حمد امير قطر تَلَقَّيا بداية اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران اتصالا من الشيخ محمد بن زايد بالدخول المباشر في الحرب بجانب واشنطن ووصفها بالفرصة الذهبية والتي لا تعوض، وجاء رد ولي عهد السعودية وامير قطر بأن «هذه ليست حربنا، ولن نكون أدوات فيها أبداً».
الرفض السعودي القطري بحسب بلومبرج أدي إلى غضب الشيخ بن زايد من الرفض، مما دفع الإمارات: ببدء حملة إعلامية رخيصة وخبيثة تتهم الدول الخليجية بـ «خذلانها» أي «تركها وحيدة»، وقالت بلومبرج بعد رفض السعودية وقطر المشاركة في الحرب على إيران قامت الإمارات بمشاركة سرية مباشرة مع إسرائيل وأمريكا ضد إيران، فالمحاولات لتوريط الخليج في حرب إقليمية مدمرة، حتى تخرج إسرائيل رابحة ودول الخليج مدمرة ومستنزفة.
لم يتسنى لنا التأكد من صحة المعلومات التي نشرتها وكالة بلومببرج عن اتصال الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الأمارات العربية بكلا من ولي عهد المملكة العربية السعودية وامير دولة قطر، لكن يتعين على القادة العرب أن يدركوا حجم المكايد والمخططات التي تدبر لهم في مراكز دراسات وابحاث في إسرائيل وواشنطن وغيرها لجرهم الي مواجهات لا يعلم نهايتها الا الله.
المعروف ان الخطة الإسرائيلية لرسم خريطة الشرق الاوسط الجديد والتي يسعي رئيس الوزراء نتنياهو بمساعدة اليمين الإسرائيلي المتطرف لتنفيذها عبارة عن وثيقة كتبها الصحافي والدبلوماسي ومستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون عوديد ينون، ونشرت للمرة الأولى في العام 1982 في مجلة "كيفونيم" "اتجاهات" التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، وأعيد نشرها مؤخرا حيث استندت الوثيقة إلى رؤية ثيودور هرتزل وشخصيات بارزة شاركت في تأسيس إسرائيل نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، ومنهم الحبر اليهودي فيشمان.
وقدمت الخطة على أنها رؤية إستراتيجية جديدة لتحقيق ما عُرف بمشروع "إسرائيل الكبرى" في الشرق الأوسط، إضافة إلى أنها تعكس توجهات المؤسستين العسكرية والأمنية في إسرائيل، حيث تناولت الوثيقة مستقبل الشرق الأوسط، واقترحت تصورات تقوم على إعادة تشكيل خريطته السياسية عبر تقسيم عدد من دوله إلى كيانات أصغر على أسس طائفية أو إثنية، بما يخلق واقعا جديدا ترى فيه إسرائيل بيئة أكثر ملاءمة لأمنها الإستراتيجي.
مضمون خطة ينون تركز على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يضمن لإسرائيل نفوذا وتفوقا إستراتيجيا طويل الأمد، وذلك عبر النقاط التالية، اولا تفكيك الدول الكبرى في المنطقة إلى كيانات أصغر قائمة على أسس طائفية أو إثنية متصارعة، ثانيا تغذية الانقسامات الداخلية الدينية والمذهبية في مجتمعات المنطقة، من أجل إحداث حالة من الفوضى المزمنة، ثالثا إعادة صياغة التوازن الجيوسياسي بما يخدم مصالح إسرائيل، عبر إضعاف الدول المحيطة وتحويلها إلى بيئة هشة غير قادرة على مواجهتها.
رابعا التحالف مع الأقليات الدينية والإثنية في دول الشرق الأوسط، ودعمها بما يخدم الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية، كما تتضمن الخطة تصورا لمشروع "إسرائيل الكبرى"، بحيث تمتد حدود النفوذ الإسرائيلي لتشمل أجزاء من دول لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية، مع بقاء هذه المناطق مقسمة إلى وحدات سياسية صغيرة تعتمد على إسرائيل في بقائها وشرعيتها، سيقول قائل إن هذه الرؤية ليست جديدة، أدري بانها ليست جديدة وإنها استمرارا لمخططات استعمارية تعود إلى الحقبة البريطانية في الشرق الأوسط.
تواجد عسكري
منذ اللحظة الأولي من بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أدركت القيادة في القاهرة ذلك المخطط بوقوع المنطقة في الفوضى ومحاولات جر دولها إلى الفخ ووقفت مصر ضد اي تهديد او مخطط يحاول النيل من استقرار دول الخليج باعتبار أن أمن الخليج من أولويات الأمن القومي المصري، لذلك جاء تواجد قوات مصرية في 5 دول خليجية كان من بينها وجود "مفرزة مقاتلات مصرية" في الإمارات بشكل رسمي، والتي اعلنت عنها الأمارات مؤخرا اثناء زيارة الرئيس المصري للأمارات.
يأتي التواجد العسكري المصري في الخليج في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يتزامن مع استمرار الضربات الإيرانية رغم الهدنة، وتصاعد التوتر في الخليج، فالقاهرة تسعي من وراء هذا التواجد العسكري الحفاظ على توازن دقيق يهدف إلى دعم أمن الخليج وتجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة، فضلا عن مقاربة مصرية تقوم على الردع المحدود، والجاهزية دون الانخراط المباشر، في محاولة لإدارة التوتر دون التصعيد، بما ان هذه القوات أداة ردع مصرية، إلا أنها في حد ذاتها رسالة طمأنة لدول الخليج بأن مصر لن تتخلى عنها في حال تمددت تداعيات الضربات الإيرانية.
حفظ الله أمتنا العربية من كل مكروه وسوء






