و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

المعتاد في السياسة أن تتنافس الأحزاب على البقاء، لكن في إسرائيل اليوم، يتنافسون على الرحيل، بأغلبية 110 أصوات دون معارضة واحدة، أقر الكنيست هزيمته الجماعية في قراءة تمهيدية، واضعاً حداً لمسيرة حكومة وصفتها المعارضة بأنها "جلبت الكارثة الأعظم في تاريخ إسرائيل". 

زعم الجميع أن السبب المباشر هو قانون تجنيد للحريديم (شباب وأبناء الأحزاب الدينية المتشددة في إسرائيل) الذي مزق الائتلاف من الداخل، لكن السبب الجذري أعمق، إسرائيل تدفع ثمن عقود من تأجيل السؤال المصيري: هل هي دولة لكل مواطنيها، أم دولة ذات امتيازات طبقية حيث الحريديم فوق القانون وفوق الجيش؟

تجنيد الحريديم

لم يكن الخلاف حول ميزانية أو حقيبة وزارية، بل قانون الإعفاء من التجنيد للحريديم، تلك القنبلة التي ظلت موقوتة مكانها منذ تأسيس كيان الاحتلال الإسرائيلي، كان يحاول الائتلاف بزعامة نتنياهو (الذي يضم أحزاباً حريدية ترفض إرسال أبنائها إلى الجيش بدعوى "دراسة التوراة") تمرير صيغة جديدة للقانون تخفف من متطلبات التجنيد على المجتمع الحريدي، لكن هذه المحاولة اصطدمت ليس فقط بالشارع العلماني، بل بجنرالات الجيش أنفسهم.

في وقت سابق حذر العميد شاي تيف، رئيس قسم القوى البشرية في جيش الاحتلال علناً من أن إسرائيل تقترب من "مشكلة معيارية وقانونية"، محدداً العجز بنحو 12 ألف جندي، بينهم 7500 مقاتل، هذا التحذير، الذي صدر من قلب المؤسسة العسكرية، سرق البساط من تحت أقدام نتنياهو وجعل أي تسوية تبدو كخيانة وطنية، فكيف يمكن لرئيس حكومة يصف نفسه بأنه "أبو الأمن" أن يمرر قانوناً يشرعن تخلف 80-90 ألف شاب حريدي عن التجنيد، في وقت يعاني فيه الجيش من نقص حاد في المقاتلين على حدود غزة ولبنان؟

بالفعل الأزمة أعمق من مجرد أرقام، حين قال نفتالي بينيت، رئيس الحكومة الأسبق، إن نتنياهو يحاول "الضغط على أعضاء الائتلاف للخيانة بحق جنود الجيش"، كان يلمس جرحاً غائراً في الهوية الإسرائيلية، هل إسرائيل دولة للجميع حيث الجميع يخدم، أم دولة للطوائف حيث الحريديم "خدام التوراة" فوق القانون؟ هذا السؤال، الذي ظل مؤجلاً لعقود، فجر الائتلاف من الداخل، لأن الحريديم أدركوا فجأة أن نتنياهو، في لحظة الحقيقة، سيضحي بهم من أجل بقائه، وتصريح الحاخام دوف لاندو (أبرز القادة الروحيين للحريديم) بأن "لا يوجد كتلة بعد الآن" كان بمثابة طلاق رمزي بين "الليكود" والنخبة الحريدية.

المفارقة الأكثر إثارة في المشهد السياسي الإسرائيلي أن الائتلاف والمعارضة وجدا نفسيهما على طاولة واحدة، طاولة الحل، 110 أصوات، من الليكود إلى "نعم" (المعسكر الرسمي)، مروراً بـالحريديم والعرب، صوتوا لإنهاء حياة الكنيست، هذا يعني أن الطبقة السياسية بأسرها، رغم عدائها العلني، تعترف سراً بأن النظام لم يعد قابلاً للإصلاح.

وفي لحظة أكثر إثارة قال رئيس الائتلاف أوفير كاتس، بعجرفة غير مبررة: "أربع سنوات لعبنا أمام مرمى خال"، في المقابل، كان خطاب المعارضة أكثر قسوة، يائير جولان، قائد حزب "الديمقراطيون"، لم يتردد في وصف حكومة نتنياهو بأنها "حكومة الإخفاق التي جلبت الكارثة الأعظم في تاريخ كيان الاحتلال الإسرائيلي" (في إشارة إلى أحداث 7 أكتوبر)، هذا التجريم المتبادل بين الأجنحة الصهيونية ليس جديداً، لكنه هنا بلغ ذروته، لقد تحولت الانتخابات القادمة من مجرد صراع على السلطة إلى محكمة تاريخية.

النقطة التي تكشف عن عبقرية نتنياهو الماكرة، وأيضاً عن ضعفه الفادح، هي المعركة حول موعد الانتخابات، ظاهرياً، الجدل بين 1 سبتمبر و27 أكتوبر هو مجرد خلاف لوجستي، لكن في العمق، هو صراع على السيطرة على الرواية الانتخابية، الحريديم يريدون سبتمبر لسببين، الأول، فشلوا في تمرير قانون التجنيد، فليتحكموا على الأقل بموعد الانتخابات، الثاني، سبتمبر يتزامن مع موسم الأعياد اليهودية الكبرى (رأس السنة ويوم الغفران)، وهو وقت تبلغ فيه المشاعر الدينية ذروتها، هذا يسمح لهم باستقطاب الناخبين التقليديين المحبطين من حزب "شاس"، الذين هددوا بالتحول نحو التصويت لإيتمار بن غفير المتطرف.

لكن نتنياهو يريد أكتوبر، وبالتحديد، يريد حل الكنيست بعد 27 مايو، ليتمكن من البقاء في منصب رئيس حكومة انتقالية لمدة خمسة أشهر تقريباً، بدون ضغط برلماني، وبالتالي يكون قادراً على اتخاذ قرارات مصيرية (مثل عملية عسكرية ضد إيران) دون أن يضايقه أحد، "الإجابة" ستعطى في الأيام القريبة، كما تقرأ في المصادر الإسرائيلية، لكن الاحتمال الأكبر هو أن نتنياهو سيمدد الأزمة إلى أقصى حد ممكن، لأنه بالنسبة له، الوقت ليس مالاً، الوقت هو حياة سياسية.

لكن لعبة المواعيد هذه لها ثمن، فكلما طالت فترة "الكنيست الميت"، زادت إغراءات الانهيار، والمستشارة القضائية (ما يعادل النائب العام) قد تشل حركة نتنياهو عبر إعلان أن إسرائيل دخلت "فترة انتخابية" مبكرة، هنا تكمن المفارقة: الرجل الذي أتقن فن البقاء قد يجد نفسه حبيس حيلته الخاصة.

ما يحدث خلف الكواليس ليس أقل دراماتيكية مما يحدث على الشاشة، تصريحات الحاخام دوف لاندو (أبرز القادة الروحيين للحريديم) بأن "لا يوجد كتلة" كانت بمثابة زلزال داخلي، هذا الحاخام الليتواني، الذي نادراً ما يتحدث في السياسة، أعلن فجأة أن التحالف بين الحريديم واليمين الصهيوني قد مات، لماذا؟ لأن نتنياهو استخدم الحريديم كورقة للمساومة، وليس كشركاء حقيقيين، لقد وعدهم بقانون التجنيد ثم فرّط بهم تحت الضغط العسكري والجماهيري.

لكن الحريديم، كما تعلمت إسرائيل مراراً، لا يعرفون كيف ينسون الإهانات، لذلك أرسلوا إشارات علنية بأنهم "منفتحون على مفاوضات مع كتلة التغيير" (يسار ووسط) بعد الانتخابات، إذا لم يحصل اليمين على 61 مقعداً، هذه الجملة وحدها قد تكون القشة التي قسمت ظهر نتنياهو، فالحريديم، على تشرذمهم الداخلي، يمسكون بمفاتيح التوازن في أي حكومة إسرائيلية.

في محاولة يائسة، بدأ نتنياهو بلقاء "المترددين" داخل الائتلاف، مثل موشيه سولومون (حزب الصهيونية الدينية) وإيلي دلال (الليكود)، يحاول إقناعهم بدعم القانون أو الامتناع، لكن الأجواء لا تسعفه، 110 صوتوا لحل الكنيست، ولا يوجد أي مؤشر أنهم سيعودون عن قرارهم، إنها مثل سفينة تغرق والبحارة يتشاجرون على من يأخذ قارب النجاة أولاً.

في حقيقة الأمر هذا المشهد يبعث على ارتياح حذر، لكنه أيضاً ينذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار قد تكون أكثر خطورة، أولاً، الارتياح، إسرائيل التي تفكك نفسها من الداخل هي إسرائيل أقل قدرة على شن حروب طويلة الأمد أو فرض إرادتها على الفلسطينيين، الصراع على تجنيد الحريديم هو صراع على هوية الكيان. فإذا قررت إسرائيل في نهاية المطاف أن الحريديم فوق القانون، فمعنى ذلك أن جيشها سينهار تدريجياً (نقص 12 ألف جندي ليس مجرد رقم، بل يعني إلغاء ألوية كاملة)، وإذا أصرت العلمانيين على التجنيد الإجباري للجميع، فقد تنفجر البلاد بـحرب أهلية ثقافية لا تقل دموية عن أي حرب خارجية، في كلتا الحالتين، إسرائيل تخسر، وهذا مكسب استراتيجي للقضية الفلسطينية.

العمي السياسي

ثانياً، التحذير، الحكومات الإسرائيلية المنشغلة بأزماتها الداخلية غالباً ما تبحث عن "انتصار خارجي سريع" لتوحيد الصفوف، التلميحات بأن "جولة أخرى ضد إيران قد تخلط الأوراق" وهذا ليست مجرد اجتهاد، بل سيناريو حقيقي يضعه نتنياهو في جعبته، فما أسهل أن يشن عدواناً محدوداً على مفاعل إيراني أو في سوريا ليعلن "حالة طوارئ" ويؤجل الانتخابات لمدة غير محددة، هذا الاحتمال، للأسف، لا يمكن استبعاده عندما يكون رجل محاصر على رأس السلطة.

ثالثاً، القضية الفلسطينية، في خضم هذا الانهيار، وبحسب النص الإسرائيلي، لا وجود حرفياً لـ "الفلسطينيين" في الحسابات، لا غزة، لا رام الله، لا القدس، كل الصراع يدور حول من يخدم في الجيش ومن يدرس التوراة، هذا العمى السياسي هو أيضاً فرصة، إذا كان الإسرائيليون منشغلين بتفكيك بعضهم بعضاً، فربما حان الوقت للفلسطينيين لاستثمار هذه الفجوة، ليس عسكرياً، بل سياسياً وقانونياً، لتعزيز الصورة التي تقول: "إسرائيل ليست دولة طبيعية، إنها دولة في حالة تحلل دائم".

أخيراَ 110 صوتوا لإنهاء الكنيست، لكن الحقيقة أن أحداً لم ينهِ شيئاً، إسرائيل الآن في عنق الزجاجة، إما أن تمرر قانون تجنيد جذري يفضح تناقضاتها مع الحريديم، أو تذهب لانتخابات في أكتوبر تعيد إنتاج نفسها بعاهة مستعصية، بكل الأحوال، المشهد القادم لن يكون هادئاً، والمنطقة بالفعل مدعوة إلى مشاهدة هذا العرض.

تم نسخ الرابط