من الأمور التي استرعت الانتباه ما صرح به موشى ديان (1915 – 1981) وزير الدفاع الإسرائيلي 1967 – 1974م من كراهيته لبناء المستوطنات بالمناطق المحتلة، ولم يكن يرى تعليل تشييد هذه المستوطنات بأغراض دينية، ربما لأنه كان ملحداً يهودياً، أو ربما كان يريد تهدئة الثورات الفلسطينية، وربما كان بهدف إبعاد الدين عن تفسير المفاهيم الاستعمارية الإسرائيلية.
على صعيد أخر ثار أنصار الحركة الدينية الوطنية اليهودية بقيادة هنان بوثات، الذي راح في كل واد يهاجم موشى ديان، ويتهمه بنزع الدين عن مسألة المستوطنات، بالمناطق الجديدة، منذ سبتمبر 1967 اشتدت رياح بناء المستوطنات بروح دينية جذبت كثيراً من رجال الأعمال المتدينين للإسهام بدور فعال في دعم بناء هذه المستوطنات، وقد بدأوا بمستعمرة (جوش إتسيون) التي اعتبرت أول مستوطنة حقيقية تُبنى على أسس موجهة دينياً.
ومستوطنة جوش إتسيون مستوطنة تقع في جنوب القدس، وهذه المنطقة تحمل ذكرى مئات اليهود الذين قتلوا في حرب 1948، والذين تم أسرهم، لذلك حولها اليهود المتدينون إلى ما يشبه مقبرة تاريخية وإلى مكان يحمل ذكرى الكفاح، لذلك كان التيار الديني حماسي الأداء السياسي في إخضاع رئيس الوزراء ليفي إشكول 1963 – 1969م، ووزير دفاعه موشى ديان 1967 لرغبتهم خاصة أن المتدينين كانوا يدعمون فكرة الاحتلال بقوة، ويدعمون بقاء إسرائيل للأبد، ويدعمون فكرة أرض الميعاد، وكلها مبادئ تصب في مصلحة السياسة الإسرائيلية.
كان دعم إقامة المستوطنة التاريخية (جوش إتسيون) يأتي في نفوس الشعب اليهودي، حتى على المستوى الدولي الخارجي، بالرغم من أن قرار مؤتمر جنيف الرابع الذي صدر في 12 أغسطس 1949 بمنع بناء أي مستوطنات ومنع أي توسعات أخرى، لكن اللوبي الديني لم يكن يعير اهتماماً للقرارات الدولية بل كان يزداد يوما بعد يوم، وينشر فكر بناء المستوطنات من قبيل فرض الأمر الواقع.
كان التيار الديني يسعى بكل قوة لتنحية الملحدين من السياسة الإسرائيلية أمثال موشى ديان وغيره، وكرسوا خطابهم في شرعنة بناء المستوطنات والتوسع بقوة واستغلال كل المساحات لبناء مستوطنات لليهود بدعم النصوص الدينية، مع ضم هذه المساحات إلى حدود الدولة، وبهذا لم يلتزم اليهود بقرار التقسيم ولا بالحدود التي رسمتها الأمم المتحدة بدولة إسرائيل، كان التيار الديني يهتم باختيار أراضي ذات رموز دينية يحمل رمزاً لتبرير الوجود اليهودي في أرض فلسطين، وصَدع الحاخام (موشى ليفنجر) بحتمية بناء مستوطنة جديدة أسماها (جوش إمونيم)، ودعمها بكل جهده.
كما بدأ أنصار التيار الديني يحيون الاحتفالات الدينية، وبدأوا بإحياء الاحتفال بعيد الفصح وهو ذكرى الخروج المذكور في التوراة للشعب اليهودي من مصر، والتحرر من العبودية، واختاروا منطقة الخليل لإحياء الاحتفال سنة 1968، وكان الهدف من اختيار الخليل هو قتل 67 يهوديا على يد المقاومة الفلسطينية سنة 1929، فأحيوا ذكرى قتلهم على يد العرب الأمر الذي أحيا شجون اليهود حزنا على قتلاهم.
الجماعات اليهودية
ولم تكن هده الحادثة عن جراء ترتيب منظم، وإنما كان رد فعل لجملة من المذابح نظمتها الجماعات اليهودية الدموية، ورد فعل على الهجرة اليهودية المنظمة، والتي سكنت مساكن العرب عنوة، ورد فعل على اقتراح حاييم وايزمان رئيس إسرائيل 1949 – 1952م، والذي تولى رياسة المنظمة اليهودية العالمية من قبل، وقد اقترح ضم حرم القدس الشريف بما يتضمنه من قبة الصخرة والمسجد الأقصى تحت تصرف اليهود.
وثارت ثائرة السكان الفلسطينيون، وتصرف اليهود بقمة العجرفة باعتبارهم أصحاب الأرض، ويسندهم قرار حاييم وايزمان، وارتكبوا بعض العدوانيات المؤثرة، ورد عليهم الفلسطينيون في القدس والخليل، وهنا بدأ المحتل الانجليزي من إجراء تحقيقات تولاها السير (والتر إس شو) وانتهت اللجنة إلى إصدار بيان أكدوا فيه أن الأحداث العنيفة التي حدثت في الأعوام السابقة هي قليلة للغاية وأن العرب واليهود يعيشون في سلام ومحبة وتسامح متبادل.
وعادت التوجيهات الدينية اليهودية من جديد تكثف وتزيد من تأكيد شرعية الأرض لليهود، وتمهد لفكرة أرض الميعاد، وتكفر كل من ينكرها من اليهود، أو يقف حيالها موقفاً سلبياً.





