بدأت السينما عالميًا في الثامن والعشرين من ديسمبر عام ١٨٩٥ عندما قدّم الأخوان أوغست لوميير ولويس لوميير أول عرض سينمائي جماهيري مدفوع في مدينة باريس ثم وصلت إلى مصر في نوفمبر عام ١٨٩٦ لتكون من أوائل دول العالم وأول دولة في إفريقيا والعالم العربي التي تعرفت إلى هذا الفن الجديد واحتضنته مبكرًا، وقد شكّل هذا الاستقبال المبكر الأساس لقيام صناعة سينمائية رائدة جعلت القاهرة تُعرف لاحقًا باسم "هوليوود الشرق" تقديرًا لدور مصر الريادي في قيادة السينما العربية.
السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه بل هي فن وصناعة وقوة ثقافية وكما رآها كبار النقاد والمفكرين ومؤرخي السينما والمؤسسات الثقافية الدولية فإنها أداة مؤثرة في تشكيل الوعي وبناء الهوية وتقديم صورة الأمم أمام العالم؛ فقد وصفها الناقد والمنظّر الإيطالي ريتشوتو كانودو بأنها "الفن السابع" لأنها تجمع الأدب والمسرح والموسيقى والرسم والعمارة والرقص في عمل واحد كما يرى مؤرخ السينما الأمريكي دوغلاس غومري أن السينما صناعة متكاملة تشمل الإنتاج والتوزيع والعرض وتعتمد على رؤوس الأموال والتقنيات والأسواق شأنها كشأن أي صناعة كبرى.
وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) أن الصناعات الثقافية والإبداعية وفي مقدمتها السينما تسهم في التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتعزيز الهوية الثقافية، أما جوزيف ناي فيوضح من خلال مفهوم "القوة الناعمة" أن السينما من أهم الأدوات التي تستخدمها الدول للتأثير في الشعوب وتشكيل صورتها الذهنية ونشر قيمها وثقافتها عالميًا.
ورغم أن مصر لا تزال تحمل لقب "هوليوود الشرق" فإن واقع الصناعة اليوم يفرض علينا وقفة صادقة ؛ ففي بلد يتجاوز عدد سكانه مئة مليون نسمة يُنتج سنويًا نحو أربعين فيلمًا تقريبًا بينما لا يتجاوز عدد شاشات العرض نحو 400 شاشة فقط يتركز معظمها في القاهرة والإسكندرية في حين أن نحو 90% من محافظات الجمهورية خاليه من دور العرض السينمائي باستثناء بعض الجهود التي تبذلها وزارة الثقافة المصرية من خلال قصور الثقافة ومشروع "سينما الشعب" ، وتُعد محافظة سوهاج مثالًا واضحًا على ذلك إذ يبلغ عدد سكانها قرابة ستة ملايين نسمة ولا يوجد بها اي دار عرض سينمائي.
ويرجع جانب كبير من هذه الأزمة إلى استمرار التعامل مع السينما بوصفها نشاطًا ترفيهيًا لا صناعة استراتيجية؛ ويتجلى ذلك في خضوعها لما يُعرف بـ "ضريبة الملاهي" حيث تصل الضرائب والرسوم المختلفة إلى نحو 45% من قيمة تذكرة
السينما ويضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الإنتاج وتعقيد الإجراءات والرسوم المرتبطة بالتصوير والإنتاج وهو ما يحد من قدرة المنتجين والمستثمرين على التوسع، والحقيقة أن التعامل مع السينما بوصفها صناعة ليس رفاهية ثقافية بل ضرورة وطنية واقتصادية واستراتيجية.
إن امتلاك صناعة سينمائية قوية يعني امتلاك القدرة على إنتاج أفلام تعبّر عن قضايا المجتمع وتطلعاته وتسهم في تشكيل وعي المواطنين وترسيخ قيمهم وهويتهم الوطنية، كما تتيح السينما تقديم صورة مصر الحقيقية أمام العالم بما تعكسه من تاريخها العريق وحضارتها الممتدة وثقافتها الغنية وتنوعها الإنساني وتعزز مكانتها الثقافية وقوتها الناعمة. وعندما نكون نحن أصحاب هذه الصناعة والقائمين عليها فإننا نشارك في صياغة وعي الأجيال الجديدة وفي رسم الصورة التي نريد أن يرى العالم بها مصر بدلًا من ترك عقول مواطنينا وصورتنا الحضارية رهينة لما تنتجه ثقافات أخرى.
ومن هنا فإن إعادة الاعتبار إلى السينما بوصفها صناعة تستلزم توفير بيئة استثمارية مشجعة تتضمن حوافز حقيقية للمستثمرين وتسهيل إجراءات التصوير والإنتاج وخفض الرسوم المرتبطة بها إلى جانب تخصيص أراضٍ في المحافظات المختلفة بشروط ميسرة لإقامة دور عرض حديثة بما يشجع، المستثمرين على التوسع خارج القاهرة والإسكندرية ويضمن وصول الخدمة الثقافية إلى جميع أنحاء الجمهورية.
وإذا كانت الدولة تحصل بالفعل على إيرادات كبيرة من الضرائب المفروضة على النشاط السينمائي فمن المنطقي أن على الاقل يُعاد توجيه هذه الإيرادات لدعم الإنتاج السينمائي وتطوير البنية التحتية للعرض، وتُعد فرنسا نموذجًا عالميًا ناجحًا في هذا المجال حيث تضم أكثر من 6,000 شاشة عرض سينمائي ويُعاد توظيف الرسوم والضرائب المفروضة على القطاع في تمويل الإنتاج الوطني ودعم الثقافة من خلال المركز الوطني للسينما والصورة المتحركة.
التنمية الشاملة
كما تقدم المملكة العربية السعودية نموذجًا عربيًا حديثًا في التعامل مع السينما بوصفها صناعة استراتيجية؛ ففي دولة يبلغ عدد سكانها نحو 35 مليون نسمة تضم المملكة اليوم أكثر من 600 شاشة عرض سينمائي ضمن رؤية السعودية 2030 التي تنظر إلى الثقافة والفنون باعتبارهما جزءًا من التنمية الاقتصادية وتعزيز القوة الناعمة كما تخضع تذاكر السينما في المملكة لضريبة القيمة المضافة فقط شأنها شأن مختلف السلع والخدمات وهو ما يعكس تعاملًا مع السينما باعتبارها صناعة ثقافية واقتصادية ضمن منظومة التنمية الشاملة.
إن مصر تمتلك التاريخ والخبرة والكوادر البشرية والرصيد الثقافي الذي يؤهلها للحفاظ على مكانتها بوصفها "هوليوود الشرق" وتعزيز هذا الدور التاريخي، وما تحتاجه ليس اكتشافًا جديدًا بل قرارًا واضحًا بالتعامل مع السينما باعتبارها صناعة وطنية استراتيجية، فإذا تحقق ذلك ستعزز مصر قدرتها على تشكيل الوعي ودعم الاقتصاد الوطني وتقديم صورتها الحضارية وترسيخ قوتها الناعمة أمام العالم.



