في الماضي، كانت صور الأطفال تُحفظ داخل ألبومات العائلة، وتبقى تفاصيل طفولتهم جزءًا خاصًا من ذاكرتهم وذكريات أسرهم، أما اليوم، فقد أصبح بعض الأطفال يكبرون أمام الكاميرا، وتتحول لحظاتهم اليومية إلى محتوى يُنشر ويُشارك ويحصد آلاف المشاهدات والتعليقات، بل أن لحظات إعلان انتظار طفل جديد ولحظات معرفة نوع جنس الجنين أصبحت محتوى علني.
ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد ظهور الأطفال على الإنترنت يقتصر على المناسبات العائلية أو اللحظات العفوية، بل أصبح جزءًا من صناعة محتوى كاملة، تعتمد أحيانًا على الطفل بوصفه عنصر الجذب الأساسي لزيادة التفاعل أو الشهرة أو حتى الربح.
المشكلة لا تكمن في مشاركة لحظات طبيعية من الحياة اليومية، فالأسر المختلفة تسعى لتوثيق ذكرياتها بطريقتها الخاصة، لكن الفارق الحقيقي يبدأ حين تتحول الطفولة نفسها إلى مادة دائمة للنشر، ويصبح الطفل مطالبًا – بشكل مباشر أو غير مباشر – بأن يكون حاضرًا أمام الكاميرا طوال الوقت.
فبعض الأطفال اليوم تُصور لحظات غضبهم، وبكائهم، وعقابهم، وحتى تفاصيلهم الخاصة، قبل أن يدركوا أصلًا معنى الخصوصية أو حقهم في رفض التصوير، وهنا يطرح الواقع الجديد سؤالًا مهمًا:هل يملك الطفل فعلًا حرية الموافقة أو الرفض؟ أم أن القرار بالكامل في يد الكبار؟، ومع الوقت، قد يكبر الطفل ليكتشف أن سنوات طفولته أصبحت متاحة للجميع، وأن مواقف محرجة أو لحظات ضعف عاشها في سن صغيرة ما زالت محفوظة ومتداولة على الإنترنت.
ولا يمكن تجاهل التأثير النفسي لهذه الشهرة المبكرة، فالطفل الذي يعتاد منذ سنواته الأولى على الكاميرا والتفاعل والتعليقات، قد يبدأ في ربط قيمته الشخصية بعدد المشاهدات أو الإعجابات، وهو ما قد يؤثر على صورته عن نفسه وعلى علاقته الطبيعية بالحياة بعيدًا عن التوثيق المستمر.
كما أن هذا الواقع يفتح بابًا لتساؤلات قانونية وأخلاقية مهمة، خاصة مع غياب قوانين واضحة تنظم ظهور الأطفال في المحتوى الرقمي أو تحمي حقوقهم وخصوصيتهم بشكل كافٍ، رغم أن بعض هؤلاء الأطفال أصبحوا عمليًا جزءًا من صناعة تحقق أرباحًا ومكاسب مادية.
لكن المسؤولية لا تقع على الأسر وحدها، فالمجتمع نفسه يشارك – بشكل غير مباشر – في تشجيع هذا النوع من المحتوى عبر المشاهدة والتفاعل وإعادة النشر، حتى أصبحت حياة بعض الأطفال اليومية أقرب إلى "عرض مستمر" لا يتوقف وأصبح هؤلاء الصغار في مرمى التنمر بنفس قدر الشهرة بل وأكثر.
وربما تكمن المشكلة الحقيقية في أن الطفل يحتاج إلى أن يعيش طفولته أولًا، لا أن يقضيها منشغلًا بكيف يبدو أمام الكاميرا، وفي الجانب القانوني، يثير ظهور الأطفال المتكرر على منصات التواصل الاجتماعي — خاصة في المحتوى الذي يحقق أرباحًا أو يستخدم لأغراض دعائية — تساؤلات متزايدة حول حدود حق الأسرة في النشر، وحق الطفل نفسه في الخصوصية والحماية.
فالقانون المصري، وإن لم يضع حتى الآن تشريعًا مستقلًا ينظم بشكل مباشر "عمل الأطفال كمؤثرين رقميين" أو استغلالهم في صناعة المحتوى الإلكتروني، إلا أن قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته ينص بوضوح على حماية الطفل من أي ممارسات قد تعرضه للاستغلال أو الإضرار النفسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، كما تنص المادة (80) من الدستور المصري على أن لكل طفل الحق في الحماية من جميع أشكال العنف والإساءة والاستغلال، مع التزام الدولة برعاية الطفل وحمايته والحفاظ على هويته وكرامته.
صناعة المحتوي
كما ترتبط القضية أيضًا بحقوق الطفل النفسية والإنسانية، فحق الطفل لا يقتصر فقط على التعليم والرعاية الصحية، بل يمتد إلى حقه في الخصوصية، وفي تكوين صورته الذاتية بشكل طبيعي بعيدًا عن الضغوط المبكرة للشهرة والتقييم المجتمعي المستمر، ويفتح ذلك بابًا لنقاش قانوني مهم هل يمكن اعتبار الاستخدام المفرط للأطفال في صناعة المحتوى — خاصة إذا ارتبط بعائد مادي أو كشف تفاصيل خاصة أو مواقف مهينة — شكلًا من أشكال الاستغلال غير المباشر؟ وهل يملك الطفل مستقبلًا حق الاعتراض على محتوى تم نشره عنه في سنوات لم يكن فيها قادرًا على اتخاذ القرار؟
هل يجب رعاية حقوق الطفل بالمطالبة بقوانين وتشريعات تنظم نشر محتوى بطله طفل أو بمشاركة طفل وفي هذا السياق، قد يكون من الضروري على الدولة ممثلة في مؤسسات خاصة لجنة الاتصالات ولجنة حقوق الإنسان، إلى هذا الملف المتصاعد، والعمل على دراسة تشريع يضع ضوابط واضحة لظهور الأطفال في المحتوى الرقمي، بما يحقق التوازن بين حرية النشر وحماية الطفل من أي استغلال مادي أو نفسي قد يترتب على تحويل طفولته إلى مادة دائمة للاستهلاك الرقمي؟!.


