يبتعد عن مفهوم العنف
محددات نشوز الزوجة.. تداول كتابات الأنبا غريغوريوس قبل صدور قانون الأحوال الشخصية
عادت ورقات من كتاب «الشباب والأسرة في المجتمع» لـالأنبا غريغوريوس، أسقف البحث العلمي الراحل، للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع اقتراب صدور مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين ويأتي هذا التداول في وقت يشهد اعتراضات واسعة من الإكليروس والعلمانيين على مختلف المستويات الاجتماعية، ممن يرون أن المشروع يتضمن مواد تخالف تعاليم الإنجيل وقوانين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والدسقولية ويمنح حزمة كبيرة من الحقوق للمرأة على حساب الرجل، تطبيقاً لتوصيات مؤسسات المجتمع المدني وحقوق المرأة المحلية والدولية.
وأعاد هذا السياق تسليط الضوء على الطرح اللاهوتي للأنبا غريغوريوس الملقب (بالعلامة اللاهوتي) حول حدود العلاقة الزوجية في المسيحية ومتى يجوز الحديث عن "تأديب" الزوجة الناشز دون الخروج عن روح المحبة والاحترام التي تقوم عليها الزيجة ويدخل الفصل المنشور ضمن موسوعة الأنبا غريغوريوس الصادرة عن جمعية الأنبا غريغوريوس للدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي، يحمل عنوان "هل يجوز ضرب المرأة؟"، ويقدم إجابة تفرق بوضوح بين مفهوم التأديب الإصلاحي ومفهوم العنف والإهانة.
يبدأ الأنبا غريغوريوس طرحه بتأكيد مبدأ أساسي في الفكر المسيحي وهو أن المرأة "شريكة حياة زوجها، وهي نصفه الثاني، وقد صارت برباط الزيجة المقدس جسداً واحداً مع زوجها، وهي مساوية للرجل في كرامتها الإنسانية"، ويستند في ذلك إلى نصوص من رسائل بولس الرسول، منها "يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كحبهم لأجسادهم، من أحب امرأته أحب نفسه" (أفسس 5: 28، 29) و"أيها الرجال، أحبوا نساءكم، ولا تكونوا قساة عليهن" (كولوسي 3: 19) ويخلص من هذه النصوص إلى نتيجة قاطعة وهي "نحن لا نقر بضرب الزوجة من حيث المبدأ ولا نقر أن تساء معاملتها أو أن تهان كرامتها الإنسانية".
يحدد مفهوم "النشوز" بأنه خروج الزوجة عن طاعة الزوج في الحقوق المشروعة ويشمل ذلك بحسب ما ورد في الموروث الفقهي المرجعي للقانون المصري مثل الامتناع عن المعاشرة من خلال هجر الزوج والامتناع عن أداء الحقوق الزوجية بلا عذر شرعي والخروج من بيت الزوجية (مغادرة المنزل دون إذن الزوج أو مبرر مقبول) وعصيان الأوامر المشروعة فى مخالفة الزوج فيما له من حقوق (رفض الانتقال لمسكن الزوجية المناسب) وإدخال من يرفضهم الزوج (استقبال أشخاص في المنزل يعترض عليهم الزوج).
ينتقل الأنبا غريغوريوس بعد ذلك إلى معالجة حالة يراها استثنائية وهي حالة الزوجة "الناشز" التي لا تطيع زوجها، ولا ترعى قدسية الحياة الزوجية، أو تسيء التصرف بما يسيء إلى سمعة الأسرة وفي هذا السياق يرى أنه يجوز للرجل تأديبها كما يؤدب الأب ابنه أو ابنته، معتبراً أن الرجل عادة ما يكون أكبر سناً وهو "سيد البيت ورب الأسرة ورأس المرأة" وفقاً للنظام الأسري كما ورد في التقليد الكتابي، ويشدد أسقف البحث العلمي على أن التأديب هنا ليس هدفاً في ذاته وله طرق ووسائل متعددة لا تقتصر على البعد البدني، والهدف منه محدد وواضح وهو "الإصلاح والتقويم، لا الانتقام والإيذاء والإضرار".
ووفقا لبعض التحليلات العلمية فأن الطرح له خلفيات سيكولوجيه تفسر وصول بعض الحالات إلى هذا المنعطف، ففي بعض العلاقات، ترى الزوجة في زوجها القائد ورب الأسرة وتترجم طيبته الزائدة أو خضوعه إلى ضعف في الشخصية وغياب للقوامة، فيسقط من نظرها وتشير هذه القراءة إلى أن المرأة قد تميل داخلياً للرجل القوي القادر على التدخل عند الضرورة لحماية الأسرة ومنعها من إيذاء نفسها أو الآخرين وترجع ذلك إلى أن المرأة تتزوج بهدف البحث عن الحماية والاستقرار وهو أمر لا يقتصر على عادات وتقاليد الريف أو الصعيد، بل يرتبط بطبيعة الدور الذي تتوقعه الزوجة من شريكها.
ويوضح أصحاب هذا الرأي أن الأمر ليس دعوة عامة لضرب الزوجات، وإنما تعبير عن فكرة تقويم بعض الحالات الشاذة التي ترفض الحلول الودية والحوار الإيجابي ويضربون أمثلة بالزوجات المارقات أو العاملات في مهن غير شريفة أو المتعاطيات للمخدرات أو المنفلتات بشكل عام ممن يتسببن في جلب الويلات والعار للأسرة والأبناء، كما يشيرون إلى نماذج أخرى من النساء اللاتي يعملن على إبعاد الزوج عن أبنائه، ويختلقن المشكلات والأزمات بشكل متكرر، ما يؤدي إلى تفك الأسرة بالكامل، دون استماع لأي طرف أو التزام بتعاليم الإنجيل والسيد المسيح عن المحبة والتسامح والاحتواء والتفاني وسائر الفضائل الروحية.
النصوص اللاهوتية
يضع الأنبا غريغوريوس خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، مؤكداً أن التأديب ليس معناه أن يقسو الرجل على زوجته أو يغدر بها أو يضربها ضرباً شديداً يحدث بها عاهة ويضع ذلك في إطار المفهوم المسيحي للتأديب الذي يقترب من معنى التقويم الأبوي الرعوي، ويبتعد تماماً عن مفهوم العنف الذي ترفضه الكنيسة جملة وتفصيلاً.
إعادة تداول هذا الرأي اليوم تطرح سؤالاً حول كيفية قراءة النصوص اللاهوتية القديمة في ظل الواقع المعاصر والقوانين المدنية التي تجرم العنف الأسري بجميع أشكاله بينما يرى مهتمون بالشأن الكنسي أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تتجه حالياً بشكل أكبر نحو التوعية الأسرية، والإرشاد الروحي والنفسي، والتدخل الرعوي المبكر كأدوات أساسية لمعالجة الخلافات الزوجية قبل تفاقمها.
ويُذكر أن الأنبا غريغوريوس يُعد أحد أبرز أساقفة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مجال اللاهوت والبحث العلمي، ورحل عام 2009 تاركاً إرثاً واسعاً من المؤلفات التي تربط بين التراث الكنسي وقضايا الحياة اليومية.











