و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

«فخ ثيوسيدس» هو مصطلح يصف الخطر الكبير لنشوب حرب بين قوة عظمى قائمة "أمريكا اليوم" وقوة صاعدة بسرعة "الصين" وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى المؤرخ اليوناني القديم ثيوسيدس الذي قال عن الحرب بين أثينا (القوة الصاعدة) وسبارتا (القوة المهيمنة): «كان صعود أثينا وما أثار ذلك من خوف في سبارتا هو السبب الحقيقي الذي جعل الحرب حتمية».

ببساطة: عندما ترتفع قوة جديدة وتطالب بنصيب أكبر من النفوذ والثروة والمكانة تشعر القوة القديمة بالتهديد هذا الخوف يولّد توترًا هيكليًا قد يؤدي إلى حرب حتى لو لم يكن أي طرف يريدها فعلاً، إذا فخ ثيوسيدس يعني حتمية الحرب بين أمريكا والصين، أي ان في عصرنا الحالي يُستخدم هذا المفهوم لوصف العلاقة بين الولايات المتحدة والصين.

في 14 مايو 2026، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في زيارة رسمية هي الأبرز منذ سنوات بين زعيمي أكبر اقتصادين في العالم استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ ضيفه باستقبال فخم يليق بـ "قمة القوتين العظميين" وسط توترات جيوسياسية حادة وأزمة في مضيق هرمز.

منذ أن روّج غراهام أليسون لمفهوم «فخ ثيوسيدس» أصبح هذا المصطلح يُستخدم لوصف التوتر الهيكلي بين قوة مهيمنة "الولايات المتحدة" وقوة صاعدة "الصين"، حتى ان الرئيس شي جين بينغ نفسه قال خلال اللقاء إنهما "يجب أن يثبتا للعالم أن «فخ ثيوسيدس» ليس حتمياً".

لكن الصين تحاول بالفعل بكل الوسائل السلمية (ودبلوماسية واقتصادية) أن تدفع أمريكا نحو قبول واقع ثنائي القطب (Bipolarity) حيث تكون بكين ندّاً متكافئاً وليس مجرد "منافس" وهي تفعل ذلك من خلال عرض القوة الناعمة والاقتصادية (حزام وطريق، BRICS+، عملة RMB في التجارة) هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الإصرار على "احترام المصالح الأساسية" (خاصة مشكلة تايوان) مع محاولة إقناع النخب الأمريكية والشركات الكبرى بأن "الفوز-فوز" ممكن ، وأخيراً استخدام الدبلوماسية لإظهار أن الرفض الأمريكي هو الذي يُسرّع «فخ ثيوسيدس» لا الصين.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في ان أمريكا (خاصة في عهد ترامب) غير مستعدة نفسياً وسياسياً لقبول عالم ثنائي القطب، واشنطن لا تزال تفكر بعقلية "القوة الأولى والوحيدة" وترى أي اعتراف بالتساوي مع الصين تراجعاً استراتيجياً خطيراً يصل الي حد إعلان الهزيمة هذا هو الجوهر الحقيقي لـ«فخ ثيوسيدس» (الخوف الأمريكي من فقدان الهيمنة)، والواقع أن الزيارة جاءت في لحظة دقيقة وأوقات حرجة في ظل الحرب في إيران وإغلاق شبه كامل لـمضيق هرمز الذي يهدد الاقتصاد العالمي، والتوترات التجارية والتكنولوجية مستمرة، وأخيراً ملف تايوان يظل لغماً قابلاً للانفجار في أي لحظة.

لقد حققت القمة نجاحاً جزئياً واضحاً فقد اتفق الجانبان على أهمية بقاء مضيق هرمز مفتوحاً وأعربت الصين عن استعدادها للمساهمة دبلوماسياً في تهدئة التوتر مع إيران، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أعلنت الصين نيتها شراء كميات إضافية من الزراعات الأمريكية والغاز الطبيعي المسال والطائرات، وقد تبادل الزعيمان المديح العلني حيث وصف ترامب شي بـ "الزعيم العظيم"، بينما أكد شي على رغبته في "علاقة مستقرة ومربحة للطرفين".

لكن وراء الابتسامات والصور الفخمة، بقيت الخلافات الاستراتيجية عميقة فقد رفضت الصين تقديم تنازلات جوهرية في ملف تايوان، وكذلك فإن أمريكا لم تحصل على الضغط الصيني الحاسم الذي كان يريده ترامب على إيران، كما ان المنافسة التكنولوجية والعسكرية في بحر الصين الجنوبي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لم تُحل بل على أشدها.

من وجهة نظر ترامب الزيارة نجاح يمكنه تسويقه داخلياً قبل انتخابات التجديد النصفي خاصة مع وعود خفض أسعار الطاقة، أما الصين فقد نجحت في تطبيق أسلوبها التقليدي "قدم للعدو الطعام قبل الحرب"، أي الضيافة والصفقات الجزئية مع الحفاظ على المواقف الاستراتيجية الأساسية.

ومع ذلك، فإن «فخ ثيوسيدس» لم يختفِ التوتر الهيكلي بين قوة تريد الحفاظ على هيمنتها وقوة تريد مكانة متساوية لا يُحل في قمة واحدة، الصراع مستمر، لكنه تحول إلى شكل "محكوم" حالياً منافسة اقتصادية وتكنولوجية وحروب بالوكالة مع الحرص المتبادل على عدم الانهيار إلى مواجهة مباشرة.

ان الصين تُدير اللعبة طويلة الأمد بذكاء، وهي تعتقد أن الزمن في صالحها (النمو، التكنولوجيا، الديموغرافيا المدارة). أما أمريكا فتلعب لعبة قصيرة الأمد (انتخابات + إنجازات سريعة) هذا التفاوت في الأفق الزمني هو ما يجعل التوتر مستمراً وخطيراً.

عقلية الصفقة

لكن يجب ان نعترف ان أمريكا في عهد ترامب أو "أمريكا الترامبية" لديها فرصة أكبر للرضوخ التكتيكي والبراغماتي، لأن ترامب يفكر بعقلية "الصفقة" وليس بعقلية "الحرب الأيديولوجية" فهو قد يقبل واقعاً ثنائي القطب إذا شعر أنه يحقق مكاسب ملموسة (تجارية، انتخابية، أو خفض تكاليف المواجهة) لكنه لن يعلن ذلك صراحة، بل سيغلفه بـ "انتصار كبير" أمام ناخبيه.

واخيراً نستطيع التأكيد على ان زيارة ترامب إلى بكين لم تكن بداية عصر جديد من التعاون ولم تكن أيضاً بداية الحرب الباردة الثانية بشكلها الأسوأ، فقط نعتبرها قمة "إدارة التنافس" في أفضل صورها، نجحت مؤقتاً في خفض حدة التوتر لكنها لم تمس جذور التناقض بين أكبر قوتين في العالم.

الصراع مستمر ويتوسع جغرافياً عبر حروب بالوكالة ومنافسة نفوذ دون أن يصل إلى حرب مباشرة بين القوتين لأن التكلفة كارثية أفريقيا وأمريكا اللاتينية هما الساحتين الأكثر مرونة حالياً بينما الشرق الأوسط والنزاع الهندي الباكستاني حول كشمير وجنوب شرق آسيا يظل أكثر تعقيداً، والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل سينجح الزعيمان فعلاً في تجاوز فخ ثيوسيدس أم أن هذه القمة مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من الصراع؟

الإجابة، كالعادة، ستُكتبها الأحداث في الأشهر والسنوات القادمة.

تم نسخ الرابط