أنا كأم في كل عام نسمع شعارات براقة عن «تطوير التعليم»، لكن يبدو أن بعض القائمين على وضع المناهج فهموا التطوير بشكل خاطئ تمامًا، فتحول الأمر من تبسيط المعرفة إلى استعراض معلوماتي لا يراعي عمر الطفل ولا قدراته النفسية أو الذهنية، ما يحدث حاليًا في منهج الدراسات الاجتماعية للصف الرابع الابتدائي يستحق وقفة حقيقية، لأننا أمام محتوى أقرب إلى "تقارير جغرافية واقتصادية"، منه إلى منهج لطفل عمره ٩ أو ١٠ سنوات.
رحلات إلى كندا وسنغافورة وعمان، معلومات مكثفة، تواريخ، مقارنات، تفاصيل أكبر من المرحلة العمرية نفسها… والسؤال هنا: لمن كُتب هذا المنهج بالضبط؟، هل لطفل ما زال يتعلم كيف يرتب أفكاره ويكتشف العالم من حوله؟ أم لطلاب يدرسون العلاقات الدولية؟، المشكلة ليست في كندا ولا سنغافورة، لكن في غياب التدرج التربوي وفهم طبيعة الطفل المصري وبيئته الاجتماعية.
كيف نطلب من طفل استيعاب أنظمة اقتصادية وثقافات بعيدة بينما هو لم يكوّن بعد ارتباطًا حقيقيًا ببيئته المحلية وتاريخه القريب؟، هناك فارق ضخم بين "توسيع مدارك الطفل" وبين "إغراقه بمعلومات للحفظ فقط"، النتيجة النهائية التي نراها الآن واضحة داخل البيوت كالآتي توتر، ضغط نفسي، كراهية للمادة، وصراعات يومية بين الأطفال وأولياء الأمور، بدلًا من أن يصبح التعليم رحلة اكتشاف ممتعة، تحول إلى ماراثون حفظ مرهق لا يراعي الفروق الفردية ولا حتى الطاقة النفسية للأطفال.
التطوير الحقيقي
والأخطر أن بعض واضعي المناهج يتعاملون وكأن كل الأطفال نسخ متطابقة، بينما الحقيقة التربوية المؤكدة تقول إن الاستيعاب يختلف من طفل لآخر، وأن بناء المناهج يجب أن يتم وفق قدرات المرحلة العمرية وليس وفق رغبة المسؤول في صناعة "منهج شكله متطور"، التطوير الحقيقي لا يُقاس بعدد الصفحات ولا كمية المصطلحات الأجنبية ولا عدد الدول الموجودة داخل الكتاب، التطوير الحقيقي يبدأ عندما يفهم الطفل المعلومة، يحب المدرسة، ويشعر أن ما يدرسه يشبه حياته ويخاطب عقله.
أما تحويل طفل «رابعة ابتدائي» إلى موسوعة متنقلة تحفظ خرائط وتواريخ ومقارنات دولية بلا فهم حقيقي، فهذه ليست جودة تعليم… بل عبء تربوي سيدفع الجميع ثمنه، الأطفال ليسوا حقول تجارب، والتعليم ليس "سمك.. لبن.. تمر هندي".
الطفل المصري يستحق منهجًا يراعي عمره، إنسانيته، وحقه الطبيعي في التعلم بدون خوف أو ضغط أو تعقيد مبالغ فيه.








