و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

قبل زيارة الرئيس  الأمريكي "دونالد ترامب" إلى الصين وبعدها، يظل مصير الحرب الأمريكية "الإسرائيلية" على إيران معلقا، ما بين تفاوض مباشر وغير مباشر وصل لنقطة الانسداد، مع احتمالات تجدد الحرب، وبالذات بعد الرد الإيراني الأخير المكون من 14 نقطة، الذى وصفه "ترامب" بأنه "تافه" و"غبى" ولم يعجبه، إلى غيرها من سقطات لسان الرئيس الهائج المأزوم نفسيا، الذى تصور أن إيران سترسل له خطاب استسلام بعلم الوصول، وفوجئ أن الرد الإيراني أغلق الأبواب كلها فى وجهه، فقد خلا رد طهران من أي إشارة تراجع فى الملف النووي، بل أنه وضع الملف النووي كله فى مرحلة تالية لإيقاف الحرب نهائيا، وربط بين استعداد إيران لفتح "مضيق هرمز" بإدارتها، والفك الكامل للحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية.

 وطالب بتعويضات حرب والإفراج عن أموال إيران المجمدة والإلغاء الكامل للعقوبات الأمريكية المتراكمة على مدى نحو خمسين سنة، والبدء بإزالة كل العقوبات على صناعة وتصدير البترول الإيراني، وكان طبيعيا أن يرد "ترامب" بانفعال ورعونة ظاهرة، فقد انتظر أن يرد الإيرانيون بوثيقة إذعان لمطالبه، وبالذات مطلبه فى نقل يورانيوم التخصيب العالي ـ فوق الستين بالمئة ـ إلى واشنطن، وهو المطلب المفرط فى عبثيته، ولا يأخذ فى اعتباره طبيعة النظام الإيراني، الذى يعتبر الألف رطل من يورانيوم التخصيب العالي ثروة وطنية، ومساو فى القيمة للأرض والتراب الإيراني نفسه، فهو إنجاز علمي وتقنى للشعب الإيراني. 

اليورانيوم الإيراني

وقد عرضت إيران أن تقوم بنفسها بمعالجة الكمية ـ 450 كيلوجراما تقريبا ـ داخل أراضيها، وأن تخفف نسبة التخصيب، وهى ـ أي إيران ـ تملك القدرة على المعالجة، ولا تحتاج إلى نقل المخزون إلى خارج البلاد، وإن بدا أنها قد لا تمانع فى نقل مؤقت ليورانيوم التخصيب العالي إلى دول صديقة كالصين وروسيا، وقد سبق للأخيرة أن استضافت كميات من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسب أقل فى اتفاق 2015، الذى انسحب منه "ترامب" فى مايو 2018 خلال عهدته الرئاسية الأولى، وكان خروجه سببا مباشرا فى اتجاه إيران للتحلل من التزاماتها فى اتفاق 2015، ولم يكن لإيران أن ترفع نسبة التخصيب إلى ستين بالمئة وتزيد إلا ردا على خروج "ترامب"، ونسبة الستين بالمئة تخصيبا، تسمح لإيران بصناعة قنابل ذرية.

ورغم أن إيران أعلنت مرارا وتكرارا، أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، وأن لديها فتوى دينية حاكمة، تحرم حيازة أسلحة دمار شامل، إلا أن اغتيال الأمريكيين و"الإسرائيليين" لصاحب الفتوى "آية الله على خامنئي" أثار المخاوف، وبدا أن المرشد الجديد "مجتبى خامنئي"، قد يتحلل من فتوى الأب، أو أن يعدلها لاعتبارات الضرورات المبيحة للمحظورات، وربما لذلك، امتنعت إيران عن تقديم تعهد نهائي مكتوب بعدم السعي لصناعة قنبلة ذرية، خصوصا أن إدارة "ترامب" وسعت نطاق الحظر النووي، وطلبت تدمير كافة المنشآت النووية الإيرانية، ووقف التخصيب تماما حتى لأغراض سلمية، مع أن القانون الدولي يسمح لإيران بمبدأ التخصيب لكونها موقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي.

وخلاصة ما جرى حتى الآن حربا وتفاوضا، أن "ترامب" لم يحقق هدفا واحدا وضعه عن طريق التفاوض، تماما كما فشل بطريق الحرب الشاملة الأخيرة لمدة 40 يوما، قبل أن يدخل فى مدة هدنة ووقف إطلاق نار لم يحترمه الأمريكيون، ولا كفوا عن التحرش العسكري بإيران، سواء بالحصار البحري الذى جرى فرضه على الموانئ الإيرانية، أو بما أسماه "ترامب" عملية "مشروع الحرية"، بدعوى فتح "مضيق هرمز" بالقوة، وفشلت العملية فى بواكيرها بسبب التصدي الإيراني، وأعلن "ترامب" بنفسه وقفها وتعليقها بعد 48 ساعة، وقد يفكر فى العودة إليها بعد صدمته من الرد الإيراني، وبعد تشاوره مع قائده "بنيامين نتنياهو" حول الرد الإيراني، أو قد يفكر فى العودة إلى القصف الشامل الأول، واستهداف محطات الطاقة والكهرباء والمياه بالذات، وهو ما يشجعه عليه "نتنياهو"، الذى زج بالرئيس الأمريكي أصلا إلى حربه الخاسرة مع إيران.

أو قد يفكر فى غارة كوماندوز لالتقاط وسرقة واقتناص مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، أو فى تنظيم حملة غزو برى لإيران اعتمادا على فصائل الأكراد وغيرهم، وهو ما بدا "ترامب" مترددا فى قبول النصيحة "الإسرائيلية" بشأنه، فقد كرر "ترامب" شكواه مما أسماه سرقة الأكراد للأسلحة الأمريكية المرسلة لهم، وقد كان تدبير وتخطيط العملية "إسرائيليا" بالكامل، وأقامت "إسرائيل" نقطة ارتباط أو قاعدة عسكرية سرية فى صحراء العراق لخدمة الهدف، الذى لا يبدو "ترامب" واثقا فى جدواه، وإن كان واردا أن يسحبه "نتنياهو" إلى المستنقع مجددا، خصوصا مع شعور "إسرائيل" المتزايد بالضيق من تقلبات "ترامب"، الذى قد يقرر الانسحاب من الحرب كلها، بعد أن رأى وعاين نتائج ومضاعفات طاعته العمياء لفتاوى "نتنياهو"، الذى ورطه فى الحرب على إيران، وجعلها حربا "إسرائيلية" بجيوش أمريكية.

ولا تبدو إيران خائفة من العودة للحرب بعد إخفاق التفاوض، فقد منحتها فترة وقف إطلاق النار المعلن فرصة لإكمال التجهيزات الحربية، وإعادة تأهيل منشآتها النووية ومدنها الصاروخية تحت الجبال، خصوصا بعد انكشاف حقيقة وحدود ما جرى، وتبين مدى كذب مزاعم "نتنياهو" و"ترامب" عن تدمير الصواريخ الإيرانية الباليستية والمسيرات ومنصات إطلاقها، فقد نشرت صحف ومواقع إعلامية أمريكية خلاصة تقرير أحدث لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جاءت فيه حقائق صادمة داهسة لأمنيات ترامب بالذات، وزهوه.

المتكرر المرضى بنصر عظيم و"رائع" حققه على إيران، ومما جاء فى تقرير المخابرات الأمريكية، أن إيران تحتفظ حتى الآن بسبعين فى المئة من صواريخها الباليستية الأبعد مدى والأكثر تطورا، وأنها ـ أي إيران ـ تحتفظ بنحو 75% من منصات إطلاق الصواريخ، بل وأضافت تصنيعا جديدا لصواريخ متقدمة ومسيرات أخطر، وهو اعتراف يقلب الصورة المروجة أمريكيا و"إسرائيليا"، التي ادعت مع نهاية قصف الأربعين يوما الأولى، أن إيران خسرت نحو 90% من قدراتها الصاروخية ومنصات الإطلاق، فوق ذلك، قالت تقارير المخابرات الأمريكية، أن اقتصاد إيران قادر على الصمود لأربعة شهور وأكثر مع استمرار والتشديد البحري الأمريكي المفروض، وليس كما زعمت إدارة "ترامب"، وادعاء أن إيران ستنهار اقتصاديا تماما فى مدى أسبوعين أو ثلاثة.

إضافة لانكشاف خدعة التكتم على الخسائر الأمريكية فى الحرب، التي دمرت فيها صواريخ إيران 16 قاعدة أمريكية فى ثماني دول غرب وجنوب إيران، وهو ما كشفه تقرير موثق بالصور، أذاعته محطة "سي. إن. إن" الأمريكية، إضافة لخسائر "ترامب" فى الداخل الأمريكي سياسيا واقتصاديا، وبالذات مع زيادة أسعار البنزين ووقود الطائرات نتيجة لتحكم إيران العملي بالحركة فى "مضيق هرمز"، وهو ما صحبته زيادة فى نسبة المواطنين الأمريكيين المعارضين للحرب، ووصول نسب الاعتراض فى استطلاعات الرأي إلى نحو سبعين بالمئة، ونزول شعبية "ترامب" إلى 30% أو تزيد قليلا، وهو ما يضاعف من القلق السياسي داخل حزب "ترامب" الجمهوري، والتخوف من خسارة درامية فى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة أوائل نوفمبر المقبل.

الدعم العسكري

وكان صمود إيران المذهل سببا مباشرا فى جلب مزيد من التعاطف والدعم من أصدقائها الروس والصينيين، وفتح مزيد من شرايين التصدير والاستيراد للاقتصاد الإيراني، سواء من روسيا عبر "بحر قزوين"، أو من الصين عبر شبكة سكك حديدية ضخمة تصل بريا إلى إيران، إضافة لما ينشر فى مصادر أمريكية و"إسرائيلية" عن الدعم العسكري والاستخباراتي الصيني والروسي لإيران، سواء فى التزويد بصور أقمار صناعية أو إحداثيات استهداف دقيقة للقواعد الأمريكية و"الإسرائيلية"، وهو ما لا يعلق عليه المسئولون الصينيون والروس فى العادة، كما لا يعلقون علنا على أدوار موسكو وبكين فى دعم وتقوية الدفاعات الجوية الإيرانية، خصوصا فى مجال الصواريخ الحرارية المحمولة على الكتف، التي أثبتت فعاليتها المدهشة فى إسقاط الطائرات الأمريكية المتقدمة تقنيا.

 وتبدو الصين أكثر حرصا وقدرة على تقديم الدعم التقني لإيران وبرامجها فى صناعة الصواريخ والمسيرات، وتعويض طهران عن أي نقص جرى فى إنتاج الصلب الإيراني، وفيما يعلن الروس عن الوفاء بالتزامات اتفاق الشراكة مع إيران، فكذلك تفعل الصين الأقوى اقتصاديا وتكنولوجيا، وتحرص "بكين" على تقديم صورة القائد العالمي المسئول، الذى يحث على احترام قواعد القانون الدولي، ويدعو لوقف الحرب وإعادة فتح "مضيق هرمز" وإنهاء الحصار الأمريكي، وهو ما يزيد فى صلابة موقف النظام الإيراني، خصوصا بعد ثبات نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية فى ميادين السلاح والتفاوض معا.

تم نسخ الرابط