حدود النزاع المدني والمسؤولية الجنائية
أبطلت حجة «الخلاف المدني».. «النقض» تحسم جدل تطبيق «حماية المستهلك» على النزاعات العقارية
هل يستطيع المطور العقاري ببساطة أن يختبئ خلف العقد، ويقول للعميل: "لو عندك مشكلة ارفع دعوى مدنية"؟ محكمة النقض قالت: ليس بهذه البساطة، وذلك في حكم حديث للمحكمة العليا بجلسة 14 أغسطس 2025، والذي أرست فيه مبادئ حاسمة في منازعات بيع وتسويق الوحدات العقارية وحماية المستهلك.
وفي مقدمة مبادئ النقض، أن العقد المدني لا يمحو الجريمة، فكون العلاقة بين المطور والمستهلك قائمة على عقد بيع لا يعني أن كل إخلال يتحول تلقائيًا إلى مجرد نزاع مدني، وإذا اقترنت المعاملة العقارية ببيانات أو إعلانات أو ممارسات من شأنها خداع المستهلك أو تضليله، وتوافرت الأركان التي يتطلبها قانون حماية المستهلك، فقد تمتد المسئولية من المجال المدني إلى المجال الجنائي.
ويقول محمد أشرف سليم، المحامي والمستشار القانوني، إن المبدأ الأخطر للمطورين والمسوقين، أن الوحدة العقارية نفسها يمكن أن تدخل في نطاق الحماية المقررة للمستهلك، وبالتالي لا يكفي أن تقول الشركة: "أنا بعت وحدة… وأي خلاف عليها يتاخد في المحكمة المدنية"، بل يجب أن يسأل أولًا: ماذا أعلنت؟ وماذا تعاقدت عليه؟ وماذا سلمت فعليًا؟ وهل كانت البيانات والمواصفات والتراخيص والمزايا المعلن عنها مطابقة للحقيقة؟
لأن عناصر الإعلان والتعاقد والتنفيذ قد تتحول من مجرد عناصر في نزاع مدني إلى أساس لمسئولية جنائية متى توافرت شروط التجريم، وهنا تظهر أهمية التفرقة الدقيقة بين الإخلال العقدي العادي، والسلوك الخادع أو المضلل المؤثم قانونًا، وهذه التفرقة قد تغيّر وصف الواقعة بالكامل ونتيجة الدعوى.
وتكشف أوراق الطعن الجنائي رقم 18424 لسنة 93 القضائية والصادر فيه الحكم بتاريخ 7 أبريل سنة 2025 عن أبعاد قانونية وقضائية حاسمة في تنظيم العلاقة بين شركات التطوير العقاري والمشترين، حيث يعيد هذا الحكم رسم الفواصل بين المسئولية المدنية الناشئة عن إخلال بشرط من شروط التعاقد، وبين الجريمة الجنائية المتعلقة بالسلوك الخادع وحماية المستهلك.
وتعود وقائع القضية إلى دعوى بالحقوق المدنية أقامها زباد ضياء يوسف رشوان أمام محكمة جنح مصر الجديدة بموجب صحيفة أعلنت قانونا برقم 1669 لسنة 2022. وطالب المدعي في ختامها بتطبيق المادة 336 من قانون العقوبات وإلزام المتهم بأن يؤدي له مبلغ 20 ألف جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت.
واستند المدعي إلى عقد بيع ابتدائي مؤرخ 27 يونيو 2020 لشراء وحدة سكنية (فيللا دوبلكس) بالدور الأرضي بعد البدروم، بمصر الجديدة، بمساحة 330 مترا مربعا وما يخصها من أراض بمساحة 75 مترا، مقابل مبلغ 3 ملايين جنيه، سدد منها المدعي 2 مليون جنيه وبقي المتبقي على أربعة أقساط بموجب شيكات بنكية. واتهم المدعي مدير الشركة بالتدليس لعدم صدور ترخيص لإقامة واشتراطات هندسية تمنع البناء على المساحة المخصصة.
حكم البراءة
وقضت محكمة جنح مصر الجديدة بجلسة 26 مارس 2022 ببراءة المتهم ورفض الدعوى المدنية، وبعد إر طعن النيابة العامة استئنافيا، قضت محكمة جنح مصر الجديدة الاستئنافية بجلسة 21 يناير 2023 بإلغاء الحكم الاستئنافي وإحالتها بحالتها إلى النيابة العامة لاتخاذ شؤونها نحو إحالتها للمحكمة الاقتصادية بناء على قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018.
وأحيلت القضية برقم 94 لسنة 2023 جنح اقتصادية القاهرة، حيث قضت محكمة جنح القاهرة الاقتصادية بجلسة 30 أبريل 2023 حضوريا بتغريم المتهم مبلغ 100 ألف جنيه ونشر الحكم في جريدة الأهرام والمواقع الإلكترونية.
وبعد الاستئناف المقدم برقم 181 لسنة 2023 جنح مستأنف القاهرة الاقتصادية، قضت المحكمة بجلسة 15 يوليو 2023 بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة المتهم مما أسند إليه، ودفع هذا الحكم النيابة العامة للطعن عليه أمام محكمة النقض بموجب مذكرة أودعت في 11 سبتمبر 2023.
واستعرضت محكمة النقض في أسباب حكمة المواد 1 و 9 و 15 و 66 من قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018. وأشارت إلى أن المادة 15 حظرت الإعلان عن حجز الوحدات العقارية أو التعاقد على بيعها أو بيع الأراضي المعدة للبناء إلا بعد الحصول على ترخيص بالبناء وفقا لأحكام قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008.
كما بينت المحكمة أن المادة 66 تعاقب بغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز مليوني جنيه أو مثلي قيمة المنتج محل المخالفة أيهما أكبر. وأوضحت المحكمة أن النزاع بين الطرفين ينطوي على عقد بيع عقاري يرجع إلى حقيقة كونها نزاعا مدنيا يخرج من نطاق أحكام قانون حماية المستهلك والجريمة الجنائية المنسوبة، حيث يقتصر الأمر على الامتناع عن تنفيذ التزام عقدي.
وقضت محكمة النقض بقرار قبول طعن النيابة العامة شكلا، وفي الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه وبمعاقبة المتهم بتغريمه مبلغ 100 ألف جنيه، ونشر الحكم على نفقته في جريدة الأهرام والمواقع الإلكترونية واسعة الانتشار وألزمته المصاريف الجنائية.








