حق استقر القضاء على ثبوته
مجلس الدولة يلزم الحكومة بصرف مقابل رصيد الإجازات بدون رفع قضايا
أرست الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في مجلس الدولة مبدأ بالغ الأهمية في العلاقة بين الإدارة والمواطن، وهو أن الجهات الإدارية لا يجوز لها إلزام الموظف أو المواطن باللجوء إلى القضاء للحصول على حق استقر القضاء على ثبوته وأصبح واضحًا لا محل للنزاع فيه.
وقالت الفتوى إن أحكام المحكمة الدستورية العليا لا تقتصر آثارها على أطراف الدعوى فقط، بل تلتزم بها جميع سلطات الدولة والكافة، باعتبار أن الحكم بعدم الدستورية يكشف عن عيب لازم النص منذ نشأته، ولذلك، انتهت الفتوى إلى أحقية العامل في صرف المقابل النقدي لـ رصيد الإجازات الاعتيادية مباشرة من الجهة الإدارية دون اشتراط اللجوء إلى لجان فض المنازعات أو إقامة دعوى قضائية، طالما لم توجد منازعة جدية بشأن أصل الاستحقاق أو مقداره.
وشدد مجلس الدولة في فتواه على أن الهدف من التقاضي هو حسم نزاع قائم، أما إذا كان الحق ثابتًا ومستقرًا بحكم القانون والقضاء، فإن إلجاء صاحب الحق إلى المحاكم لا يعد سوى تعطيل للحقوق وإثقال لكاهل القضاء، وإهدار لوقت ومال الدولة والمواطن، وأن من أخص واجبات الدولة تحقيق العدالة لمواطنيها، والمبادرة إلى تنفيذ الحقوق المستقرة قانونًا، لا تحويل التقاضي إلى طريق إجباري للحصول على حقوق باتت محسومة ومستقرة قضائيًا.
وجاءت فتوى قسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة برئاسة المستشار محمد إبراهيم قشطة، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة ورئيس الجمعية العمومية، وبحضور المستشار شريف الشاذلي، رئيس المكتب الفني، في خطوة تشريعية وقضائية مفصلية تضع حدا لسنوات من التسويف وإرهاق كاهل الموظفين والمنظومة القضائية، حيث حسمت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع واحدا من أكثر الملفات الإدارية إثارة للجدل.
وجاءت هذه الفتوى لتؤكد التزام كافة الجهات الإدارية بصرف المستحقات المالية لرصيد الإجازات الاعتيادية فور انتهاء الخدمة دون اشتراط اللجوء إلى القضاء أو التقاضي، مستندة إلى أطر دستورية وقانونية قاطعة تعيد للعدالة معناها الناجز وتصون أموال الدولة ووقت المواطن.
وحملت الفتوى رقم 405 المؤرخ في 14 يونيو 2016، والمتعلق بملف الفتوى رقم 86/6/689، الصادر بناء على الكتاب الموجه من رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، في أعقاب الطلب المقدم من المحامي بالهيئة محمد بيومي محمد سلامة المؤرخ في 19 ديسمبر 2013، والذي التمس فيه الموافقة على صرف المقابل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية مباشرة من الهيئة دون الحاجة للجوء إلى لجنة توفيق بعض المنازعات أو الحصول على حكم قضائي.
وكانت الهيئة قد أصدرت القرار رقم 687 بتاريخ 2 أكتوبر 2013 بإنهاء خدمة الموظف المذكور لبلوع السن القانونية للإحالة إلى المعاش، وعلى الرغم من تقديمه طلبا لصرف المقابل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية المتراكمة استنادا لأحكام الدستور والمحكمة الدستورية العليا، إلا أن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، أصر على ضرورة اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم بالمقابل النقدي لما زاد على أربعة أشهر دفع الجهة الإدارية للاستفتاء حسمًا للنزاع. وعلى أثر ذلك، عُرض الموضوع على الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بجلسة 16 مارس 2016 لتصدر رأيها القانوني الملزم.
أسباب الفتوى
واستندت الجمعية العمومية في أسباب فتواها إلى نصوص قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، وتحديدًا المادة 65 التي تنص على حق العامل في إجازة اعتيادية سنوية بأجر كامل، مع حظر تأجيلها أو إنقاصها إلا لأسباب قومية تقتضيها مصلحة العمل، مع الاحتفاظ برصيد الإجازات بشرط ألا يتجاوز ستين يوما في السنة بالإضافة إلى الإجازة المستحقة عن تلك السنة.
كما اعتمدت الجمعية بشكل رئيسي على الحكم التاريخي الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 2 لسنة 21 قضائية "دستورية" بجلسة 6 مايو 2000، والذي قضى بعدم دستورية نص الفقرة الأخيرة من المادة 65 فيما تضمنته من حرمان العامل من البدل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما تجاوز أربعة أشهر، متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعا إلى أسباب اقتضتها مصلحة العمل.
وأوضحت الفتوى التكييف القانوني للحكم الدستوري موضحة أن أحكام المحكمة الدستورية العليا لها حجية مطلقة وتلزم جميع سلطات الدولة والكافة وفقا للمادة 49 من قانون المحكمة الدستورية رقم 48 لسنة 1979 المعدل بالقانون رقم 168 لسنة 1998. وأكدت الفتوى أن قضاء عدم الدستورية يستند إلى أثر رجعي ينسحب إلى تاريخ صدور النص الباطل ويجرده من صلاحيته منذ نشأته، دون أن يغير من ذلك تعديل المادة 49 بالفقرة الثالثة في عام 1998، إذ إن هذا التعديل لم يلغ الأثر الرجعي بوصفه الأسلوب الكاشف عن العوار الدستوري.
كما وجهت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع انتقادات صريحة للممارسات الإدارية التي ترغم الموظفين المتقاعدين على الدخول في مسارات تقاض طائلة للحصول على حقوق مالية حسمها القضاء والدستور. وأشارت الجمعية إلى أن التزام الجهات الإدارية بأداء كامل المقابل النقدي لرصيد الإجازات دون اللجوء للجان التوفيق أو المحاكم ينبغي أن يطبق طالما لم تكن هناك منازعة جدیة بين الطرفين في أصل الحق أو في مقدار الاستحقاق.
ونوهت الفتوى إلى أن أخص واجبات الدولة تجاه مواطنيها يتمثل في تحقيق العدالة وتجنب المطل والتسويف أو إرغام المواطنين على سلوك طريق التقاضي لنيل حقوق باتت محسومة باستقرار قضائي قاطع. وشددت على أن حق التقاضي، وإن كان مكفولا للجميع، إلا أنه مقيد بعدم التعسف أو الكيد، واستمرار الجهات الإدارية في إثارة النزاعات حول قضايا نمطية مكررة يعد خروجا عن الممارسة المشروعة ولجوء غير منتج يعوق الفصل في القضايا ذات الأهمية، كما يترتب عليه إهدار وقت ومال الدولة والمواطن وتأخير أداء الحقوق لأصحابها.
وانتهت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، إلى قرارها القاطع بوجوب صرف المقابل النقدي لرصيد الإجازات الاعتيادية للمواطن المعروضة حالته دون الحاجة للجوء إلى لجان توفيق المنازعات أو رفع دعاوى قضائية، وذلك بناء على الأسباب والأسانيد القانونية التفصيلية التي تضمنتها الفتوى.












