في مقال سابق، ناقشنا حدود التصوير والنشر، وتوقفنا عند تلك المسؤولية الأخلاقية التي يرتكبها البعض حين يُلْقون باسم متهم أو صورته أو تفاصيل حياته للعلن قبل أن يكتمل التحقيق أو تنطق المحكمة بحكمها. يومها طرحنا سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث للإنسان عندما تتحول واقعة اتهامه إلى مادة للعرض والفرجة أمام الجميع، بينما القضاء لم يقل كلمته بعد؟
واليوم، وعلى إثر الواقعة الفاجعة لتلك الفتاة التي اختفت ثم عُثر عليها، لتنتهي حياتها بعد ساعات قليلة داخل بيتها، أجد نفسي مشدوداً نحو سؤال أشد قسوة وأعمق إيلاماً: من القاتل؟
القاتل المباشر معروف، والقانون كفيل بتحديد مسؤوليته وحسابه، لكن هل تقف القصة عنده؟ لقد كانت الأسرة تبحث عن ابنتها وتستغيث للتائهة كي تعود، وكان الطبيعي والبديهي لحظة العثور عليها أن يكون الهدف الوحيد هو الأمان والاحتواء. لكن، ماذا يحدث عندما تتسرب تفاصيل حياة إنسان، في لحظة خاطفة، لتتحول من معلومات ضرورية للبحث إلى مادة مستباحة يلوكها الجميع؟ هل كان يمكن للنهاية أن تتغير لو لم تكن هناك شبكات تواصل تتغذى على النهش؟ لو لم تكن التفاصيل تتناقل بتلك السرعة السرطانية؟ لا أملك إجابة قاطعة، ولا أستطيع جازماً أن أقول إن السوشيال ميديا هي من قتلت الفتاة، لكنني أملك الحق في أن أسأل: هل أضحى المجتمع شريكاً في صناعة الخوف الذي يقتل؟
قديماً
كان للفضيحة عمر افتراضي قصير؛ قد يعلم أهل الحي، ويتداول الناس الحكاية يوماً أو يومين، ثم تبتلعها زحمة الحياة وتطويها الأيام. كان هناك مفهوم أصيل يُدعى «الستر». والستر لم يكن يوماً يعني حماية الجريمة أو تعطيل العدالة أو التغطية على مجرم، بل كان يعني ببساطة ألا نحول خطأ الإنسان، أو لحظة ضعفه، أو مجرد الشبهة حوله، إلى وصمة أبدية تُلاحقه حتى الموت. أما اليوم، فقد تبخر هذا الستر؛ فصورة واحدة تُنشر في كسر من الثانية، وتغريدة يُعاد تدويرها آلاف المرات، وتعليق مجاني يتحول إلى حكم بالإدانة، ومقطع فيديو يظل محفوراً في ذاكرة السيرفرات للأبد. لم يعد الإنسان يواجه محيطه الضيق فحسب، بل بات يخوض معركة خاسرة أمام مجتمع افتراضي كامل يحاكمه بناءً على القشور، والأدهى أن شبكات التواصل لا تعرف الغفران؛ فالإنسان يخطئ مرة، والإنترنت يعاقبه على ذات الخطأ كل يوم.
ثمة نمط من القتل لا يترك أثراً على الجسد ولا قطرة دم واحدة، إنه القتل بـ «سكينة الفضيحة». سكين لا يمسك بها جاني واحد، بل يشارك في قبضتها آلاف الأصابع؛ كلٌ بتعليق، وكلٌ بمشاركة، وكلٌ بحكم صادر من مقعد القاضي الافتراضي. وهذه السكينة لا تُسَلّ في قضايا الشرف أو العلاقات فحسب، بل إنها قد تقتل طبيباً اتُّهم بزورٍ أو بخطأ طبي حتى تثبت براءته، وقد تقتل موظفاً، أو معلماً، أو شاباً، أو فتاة، طالتهم شائعة أو اتهام لم يصح، بل قد تقتل أسرة كاملة وتدمر مستقبل أبنائها لمجرد أن اسم عائلتهم ورد في قضية.
المأساة أن الجماهير لا تملك الصبر لتنتظر النهاية، فنحن مجتمع يعشق البدايات؛ نعشق لحظة القبض، ونهوى الصور الشائكة، ونلهث خلف التفاصيل لنعرف "ماذا فعل؟". أما البراءة — إن جاءت بعد شهور أو سنوات — فلا تحظى بجزء يسير من صخب الاتهام. فتكتمل العدالة في المحكمة، وتبقى ناقصة ومشوهة في الوجدان الجمعي، فالمحكمة قد تقضي بالبراءة، لكن هل يملك المجتمع مسّاحات يمحو بها ما كتبه؟ هل يستطيع أن يعيد للمتهم اعتباره ونقاء صورته؟
وفي أغلب هذه المعارك الرقمية، لا يدفع المتهم الثمن بمفرده؛ أطفاله يدفعون، وزوجته تدفع، وأمه تتجرع المرارة، وأشخاص لا ذنب لهم سوى أنهم يحملون ذات الاسم ينالهم من الجحيم جانب. نحن لا ننشر أخباراً، بل ننشر حياة أناس كاملة لنحاكمها على الملاء. والغريب أننا نطالب بالقانون والعدالة، بينما نُنَصّب أنفسنا في الوقت ذاته قضاة وجلادين!
وهنا تماماً يجب أن ندق ناقوس الخطر؛ فليس كل خبر صحيح يصح نشره، ولا كل معلومة بين أيدينا تمنحنا الحق في تحويل خصوصيات البشر إلى مادة للترفيه وتزجية الوقت. فشتان بين إبلاغ الناس بما يساعد على إنقاذ إنسان، وبين كشف أسراره وتفاصيل حياته بعد نجاته. وشتان بين نقل خبر رسمي مفاده "تم ضبط شخص والتحقيقات جارية"، وبين تقديم قصة مشبعة بالإثارة تترك للعامة بناء أحكام نهائية على قضية لم تتعدَ أروقة التحقيق!
نحن بحاجة ماسة لاستعادة قيمتين ضاعتا في زحام الترند: الرحمة، والستر. الستر الذي يترك مساحة للبراءة، وللندم، وللإصلاح، ويُدرك أن خلف كل شاشة إنساناً، وخلف كل اسم عائلة، وخلف كل فضيحة حياة متكاملة إذا دُمّرت لن يستطيع أحد ترميمها.
في واقعة الفتاة الراحلة، سيقول القضاء كلمته وسيُعاقب من أزهق روحها. لكن بعيداً عن هذه الحادثة تحديداً، يجدر بنا أن نحدق في المرآة ونسأل: كم إنسانًا قتلناه معنويًا وقضينا عليه قبل أن نعرف الحقيقة؟ وكم إنسانًا أمضى سنوات عمره يدفع ثمن تهمة برأه منها القضاء ولم يبرئه منها الناس؟ وكم مرة شاركنا في جريمة «الفضيحة» ونحن نتوهم أننا نُدلي برأينا أو ننشر خبراً؟
الترند ليس مجرد أرقام وتفاعلات، الترند قد يكون حياة إنسان تُسحق، والكبسة التي نضغط بها في ثانية، قد تتحول إلى قيد أبدي لا يستطيع الطرف الآخر الفكاك منه طوال عمره.
فمن القاتل؟ ربما لا يكمن السؤال الأصعب في: من أمسك السكينة المادية؟ بل في: من صنع الخوف الذي جعل الجريمة ممكنة؟ ومن سلّ «سكينة الفضيحة» ليغرسها في ظهر إنسان لم تكتمل حكايته بعد؟




