مبدأ قضائي حاسم
«النقض»: تفتيش النيابة لهاتف المتهم جائز بدون إذن القاضي الجزئي
على مدار سنوات، تشهد المحاكم نزاعات قضائية حول مدى مشروعية قيام النيابة العامة بفتح الهواتف المحمولة المضبوطة وتفريغ محتواها الرقمي من رسائل وصور ومحادثات دون الحصول على إذن مسبق من القاضي الجزئي، وهو الإجراء الذي اعتبره الدفاع في كثير من القضايا اعتداء صريحا على الخصوصية وبطلانا ينسحب على الدليل المستمد منه.
ولكن، محكمة النقض فصلت في هذا التنازع عبر مبادئ قضائية حاسمة وواضحو، وألغت حالة اللبس القائم، وأسست لمبدأ قانوني مفاده أن تفريغ النيابة العامة للهواتف المضبوطة وإطلاعها على محتواها لا يتطلب إذن القاضي الجزئي، كونه إجراء فحص صادرا من جهة أصلية تملك سلطة التحقيق، ولا يعد مراقبة أو تسجيل للمحادثات الحية التي يشترط لها القانون ضوابط استثنائية.
وتعود تفاصيل الطعن، رقم 8263 لسنة 94 القضائية، والصادر فيه الحكم بتاريخ 7 أبريل 2025، إلى ضبط متهمين اثنين في قضية اتجار بالمواد المخدرة، حيث أصدرت محكمة جنايات أول درجة حكماً بمعاقبة كل منهما بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات، وتغريمهما مبلغ 100 ألف جنيه، مع مصادرة المضبوطات وإلزامهما بالمصروفات الجنائية.
ولم يرتضِ المحكوم عليهما هذا القضاء، فطعنا عليه بالاستئناف أمام محكمة الجنايات الاستئنافية، والتي قضت بجلسة 23 أبريل 2024 بقبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بمعاقبة المتهمين بالسجن المشدد لمدة 6 سنوات، مع تأييد الحكم فيما عدا ذلك وإلزامهما بالمصاريف.
ولجأ دفاع المتهمين إلى محكمة النقض كدرجة تقاض أخيرة، مستندا في مذكرة أسباب الطعن إلى بطلان تفريغ الهاتف المحمول واستخلاص قصد الاتجار منه، بمقولة أن التفريغ تم بالمخالفة للمادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية لعدم الحصول على إذن مسبق من القاضي الجزئي.
وتحدد المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية القواعد الحاكمة للمساس بالخصوصية، حيث تشترط الصدور الصريح لأمر مسبب من القاضي الجزئي مدته لا تزيد على 30 يوماً قابلة للتجديد، في حالات ضبط الخطابات والرسائل والطرود لدى مكاتب البريد، أو مراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية وتجرية تسجيلات لمحادثات جرت في مكان خاص، متى كان لذلك فائدة في كشف الحقيقة في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على 3 أشهر. واستند الدفاع إلى أن النيابة العامة تجاوزت هذه الاشتراطات عند قيامها بفحص محتوى الهاتف.
رفض طعن النقض
ردت محكمة النقض برفض هذا الدفع وإرساء القواعد الحاكمة، حيث استندت في رفض الطعن وتأييد الحكم الصادر بالسجن المشدد 6 سنوات إلى مجموعة من الأسانيد والتطبيقات القانونية المفصلة، حيث أوضحت المحكمة أن الفقرة الأخيرة من المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية تعطي للنيابة العامة الحق في الاطلاع على الرسائل والخطابات والتسجيلات المضبوطة بحضور المتهم كلما أمكن ذلك، ودون حاجة لاقتضاء إذن من القاضي الجزئي، فالإجراء الصادر من سلطة التحقيق بفحص هاتف ضبط بالفعل في حوزة المتهم ينصب على أوراق وتراسل مخزن، ولا يمثل مراقبة حية أو تسجيلاً للمحادثات السلكية واللاسلكية المحددة حصراً بالنص الذي يستلزم إذن القاضي.
وأضافت النقض أن المحادثات والصور المفرغة من الهاتف شكلت مجرد قرينة تعزيزية تضاف إلى الأدلة الأصلية القائمة في الدعوى، والتي تمثلت في شهادة ضابطي الواقعة وتحريات المباحث وإقرار المتهم بتحقيقات النيابة العامة بصحة ما جاء بتفريغ المحادثات. وبحسب الحيثيات، فإن محكمة الموضوع تقيم قضاءها بناء على سلطتها التقديرية في تجزئة الأدلة وربطها ببعضها.
واكدت المحكمة أنه يظهر من مدونات الحكم المطعون فيه أنه لم ينسب للطاعن إقراراً بارتكاب الجريمة وإنما نقل عنه أنه أقر بصحة ما ورد بتفريغ المحادثات الهاتفية بينه وبين المحكوم عليه الآخر من قيامه بالاتجار بالمواد المخدر لدى مواجهته بها بتحقيقات النيابة، ومن ثم فإن نعيه في هذا المقام يكون لا محل له.
كما لفتت محكمة النقض إلى أن العقوبة المقضي بها وهي السجن المشدد لمدة 6 سنوات تدخل أساساً في نطاق العقوبة المقررة لجريمة إحراز المخدر مجرداً من القصد، ما يعني أنه حتى مع استبعاد قصد الاتجار، فإن العقوبة المحكوم بها تتناسب مع الفعل المجرم قانوناً، ولا يستتبع ذلك أي مصلحة للطاعن في نعيه.














