و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

يعرف إخوة سوريون كُثُر أنني لا أكتب حرفًا عن بلادهم إلا بفيضٍ من محبة، وفهمٍ وتفهمٍ كامليْن لأحلام شعبٍ يريد فقط أن يعيش حياةً طبيعية، في ظل لحظةٍ ملتبسة!

أفعل هذا، انطلاقًا من تخصصي الصحفي في الملف السوري لسنين، كانت ضمن عقد الدمع والألم والدم، قبل أن يظهر بصيصٌ من ضوء، اختار السوريون أن يتتبعوه، لعله يُفضي إلى شيء.. أي شيء.

لذا فإنني صرتُ أتخيَّر من القصص السورية ما يمكن التعليق عليه، بهدوء، بهدف إلقاء الضوء، دون جرحٍ لأحد أو مساسٍ بخصوصية، إذ يكفي ما تعرض له أهل هذا البلد بمختلف أعراقهم وطوائفهم من جراحٍ غائرة وتدخلٍ سافرٍ من سائر الأمم لتحقيق مصالح خاصة.

بطلة قصة اليوم

الفنانة السورية أصالة نصري، هي بطلة قصة اليوم، وهي الاسم الأكثر ترددًا وشهرة في بلاد الشام هذه الأيام، إذ تستعد لإقامة حفل غنائي كبير مساء الخميس 17 سبتمبر 2026، في قلب دمشق، التي تعود إليها أخيرًا بعد 15 عامًا من الغياب.

يقام الحفل، برعاية وزارة الثقافة في السلطة الجديدة، ونقابة الفنانين، التي صرح نقيبها مازن الناطور بأن عودة أصالة إلى دمشق تحمل دلالات رمزية خاصة، بوصفها فنانة سورية ومواطنة تعود إلى بلدها بعد سنوات من الغياب، وأن الحدث يمثل مؤشرًا على استعادة النشاط الفني والحياة الثقافية مسارهما، في ظل تحسن الظروف العامة وعودة الفاعليات الجماهيرية إلى عدد من المسارح السورية.

حتى الآن، لا مشكلة، لا سيما أن أصالة كانت تعد من أكثر الفنانين معارضة للنظام السابق، وبالتالي فإن لنا أن نتوقع ترحيبًا كبيرًا بها في ظل الحكم الجديد في بلدها؛ البلد الذي لا يزال التصنيف فيه جاريًا على أشده لكل شخص وشيء، بين «فلول وثوار»، مع وضد.. لكن ما جرى كان شيئًا آخر!

انطلقت دعوات ضارية مطالبةً بمنع إقامة الحفل، بدعوى «إلغاء حفلات المعاصي»، ورفض الاختلاط، وضرورة أن تكون وزارة الأوقاف، وليس الثقافة، هي المخولة بقبول أو رفض إقامة مثل هذه الفاعليات.

وهنا أيضًا، نقول مجددًا إنه - حتى الآن- لا مشكلة، إذ أن مثل هذه الدعوات يمكن أن تظهر في أي بلد، في ظل التباس الأفكار في واقعنا العربي المضطرب.

لكن القصة تصاعدت، وصارت أزمة، استحالت جدلًا صاخبًا في المجتمع السوري، الذي لا يزال يتلمس طريقه، ليحدد أي السبل سينتهج في مساره، نحو مصيره.

تمزيق لافتات الإعلان عن الحفل في الشوارع، وبيانات تضليل وتشويه على «السوشيال ميديا»، تقابلها بيانات نفي رسمية، فيما بدا أنه قصف متبادل، حول - أولًا- أسعار التذاكر، التي تم الادعاء بأنها تصل إلى ثمانمائة دولار، وهو ما تم نفيه، ثم إطلاق الشائعات حول صدور قرار بإلغاء الحفل، وكذلك جاء النفي.

ثم بدأت الحملات في استهداف أصالة نفسها، بالإشارة إلى أغنية لها في بداياتها - قبل عشرين عامًا- مجَّدت فيها نظام الأسد! حتى اتضحت الصورة، عندما صار الخطاب جليًّا.. هكذا: «عزف الرصاص وليس عزف الموسيقى.. ورقصات الدم وليس رقص الفنانين.. هو ما حرَّر البلد»!

سعت وزارة الثقافة السورية إلى الرد على المعلومات المغلوطة، وخرج أحمد موفق زيدان مستشار الرئاسة السورية ببيان يشيد بالفنانة أصالة، ولكن في ظل نير الأزمة - بسبب حفلة!- أمكن التقاط إشارات مهمة.

أحد أبرز القائمين على الحملة ضد إقامة الحفل، هو جهادي هارب من مصر يسمي نفسه «الشيخ الذهبي». وهو شخص مثير للجدل. المعلومات المتداولة حوله تزيد الغموض بشأنه، بداية من اسمه، فهو رامي أو هاني دهب!

وتشير مصادر صحفية إلى أنه هرب من السجن في مصر إبان أحداث عام 2011 ثم توجه إلى سوريا، وارتبط هناك بجماعات جهادية، وقيل إنه كان «مفتي داعش» في سوريا، وقيل أيضًا إنه انشق عن التنظيم لاحقًا.

هذه معلومات متداولة، لكن الموثق أن هذا الشيخ «الذهبي» المزعوم أقامت مؤسسته حملة عرفت باسم «اللباس الشرعي»، لتوزيع الحجاب والخمار والنقاب.

ووصلت إحدى فاعلياتها في شهر يونيو الماضي إلى جامعة دمشق، حيث ظهرت مقاطع مصورة للحملة داخل الحرم الجامعي، مع دعوة الفتيات إلى الخمار واللباس الشرعي، لتصدر الجامعة بيانًا عندئذ يمنع أي جهة أو مبادرة من تنظيم فاعليات داخل الحرم دون موافقة رسمية مسبقة من رئاسة الجامعة والجهات المختصة، مع التهديد بالمساءلة الإدارية والقانونية.

وبينما لا يعرف أحدٌ مصادر تمويل هذا الرجل أو مؤسسته، فالعجيب أيضًا أننا لا نعرف من أين يستمد قوته، فهو يتعامل بثقة غير مفهومة، ويدعي التنسيق في بعض أنشطته مع وزارة الأوقاف السورية، ويخاطب الرئيس السوري في بيان له للمطالبة بإلغاء حفل أصالة قائًلا: «طلب خاص من العبد الفقير الذهبي للسيد الرئيس أحمد الشرع - حفظه الله وأدامه- وأعلم بظني أنه سيقبله»!

المؤكد الآن، أن الحفل سيقام في موعده، وأن أغلب السوريين سيسعدون مساء الخميس عندما يصدح صوت أصالة في قلب الشام بعد غياب، من «صالة الفيحاء» في دمشق، لكن أسئلة أخرى، كبرى، ستبقى.

هي أسئلةٌ، أطرحها - كما قلت- بصوت المُحب، القلِق، الذي لا يتحدث عن سوريا الكبيرة من الخارج، إنما من داخل قصتها، وأزمتها، ولحظتها التاريخية الخاصة؛ صوتٍ معها وليس ضدها.

أصالة، التي أطلقت بعد أيام من سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 صيحتها، في أغنيتها: «سوريا جنة»، ها هي بعد أقل من عامين تدخل «جنَّتَها» بصعوبة، وسط شد وجذب، فما السبب؟!

لماذا صارت أصواتٌ كثيرة تتجرأ وترتفع مطالبةً بأن تعود سوريا العظيمة، بلد الثقافة والحضارة، إلى الانغلاق، دون أن يردعها أحد؟!

حقًّا إن الدولة السورية الجديدة ترفض، وتنفي، وتمضي لتنفذ ما تراه، لكن لماذا تبدو في موقع المُدافِع ضد هجومٍ كاسح، دون حسمٍ واضح أو إسكاتٍ رادع لهذه الأصوات الشاذة؟!

أخيرًا.. كتبتُ قبل فترة قصيرة، قائلًا إن سوريا الجديدة لا تزال تتلمس طريقها نحو المستقبل، سائرةً بحذر شديد وسط حقول الألغام المتفجرة، وإنها «تفعل هذا حتى الآن بدقة وإجادة».

كنتُ أتكلم عن السياسة الخارجية السورية، التي تسعى للمضي في كل الاتجاهات بحثًا عن مصلحة البلد، لكن يبدو أن الداخل السوري - بتحالفات الماضي و«فواتيره» المؤجلة ربما- يبقى من أخطر الملفات التي تستلزم المواجهة.. لتحديد الوجهة!

تم نسخ الرابط