و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

المادة 122 تحدد من له حق اقتراح القوانين

«من يضع أجندة البرلمان؟».. التشريعات الحكومية تتصدر ونواب يحاولون فرض ملفات المواطنين

موقع الصفحة الأولى

يبدأ دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثالث لـ البرلمان في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر 2026، ليعود مجلس النواب إلى ممارسة أدواره التشريعية والرقابية، وسط سؤال سياسي لا يتعلق بعدد القوانين التي أقرها المجلس فقط، وإنما بمن يحدد الأولويات من الأساس: هل تأتي أجندة البرلمان من الحكومة، أم يستطيع النواب فرض أجندتهم الخاصة والتأثير في مسار التشريع والرقابة؟

السؤال يكتسب أهميته من أن الدستور لا يمنح الحكومة وحدها حق اقتراح القوانين؛ فالمادة 122 تنص صراحة على أن رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء وكل عضو في مجلس النواب لهم حق اقتراح القوانين، كما أن إصدار القوانين يتم وفق قواعد التصويت والأغلبية المنصوص عليها دستوريًا، لكن امتلاك الحق في اقتراح التشريع لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة نفسها على تحويل الاقتراح إلى قانون.

 يكشف حصاد دور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الثالث أن الحكومة كانت حاضرة بقوة في جدول التشريع.

فخلال عام 2026 وافق المجلس على حزم متعددة من مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة، بينها تعديلات ضريبية، وقوانين مرتبطة بالموازنة، والتأمينات، والطاقة، والاستثمار والقطاعات الاقتصادية المختلفة.

وفي يونيو 2026، على سبيل المثال، وافق المجلس نهائيًا على مجموعة من مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة، شملت تجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية، وتعديل قانون الإجراءات الضريبية الموحد، وضريبة الدمغة، وضريبة القيمة المضافة، ورسوم تنمية موارد الدولة.

وفي مارس، وافق المجلس أيضًا على خمسة مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة للترخيص بالبحث عن البترول والغاز والزيت الخام واستغلالها في مناطق مختلفة.

أما في أبريل، فكان المجلس أمام تشريعات حكومية أخرى، بينها قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وتعديلات قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية.

في المقابل، لا يتحرك النواب فقط عبر تقديم مشروعات القوانين، وإنما يمتلكون أدوات رقابية يمكن أن تفرض قضايا المواطنين على جدول الأعمال.

طلبات الإحاطة، والأسئلة، والاقتراحات برغبة، وطلبات المناقشة العامة، والاستجوابات، كلها أدوات تسمح للنواب بفتح ملفات الخدمات والأسعار والقرارات الحكومية أمام الرأي العام.

وخلال مايو 2026، وافق المجلس على إحالة 25 تقريرًا للجنة الاقتراحات والشكاوى بشأن اقتراحات برغبات قدمها نواب إلى الحكومة لاتخاذ اللازم بشأن التوصيات الواردة فيها.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد لا يبدأ الملف بمشروع قانون من نائب، لكنه يستطيع أن يبدأ بطلب إحاطة أو اقتراح برغبة، ثم يتحول إلى قضية عامة تضطر الحكومة إلى التعامل معها.

وهناك نماذج تؤكد أن أجندة النواب يمكن أن تفرض نفسها على الحكومة، ففي يوليو 2025، وافق مجلس النواب على قانون بشأن التصرف في أملاك الدولة الخاصة، وكان مشروع القانون مرتبطًا أيضًا بمشروعات قوانين مقدمة من أكثر من 60 نائبًا في الموضوع ذاته.

النموذج يكشف أن المبادرة النيابية لا تختفي بالضرورة عندما تتدخل الحكومة بتقديم مشروعها؛ فقد تتقاطع المبادرتان وتتحول القضية إلى تشريع نهائي.

وفي مارس 2026، عقد رئيس مجلس النواب اجتماعات مع ممثلي الهيئات البرلمانية للأحزاب، إلى جانب عدد من نواب المعارضة والمستقلين، وجرى خلالها بحث أولويات العمل التشريعي والرقابي.

وأعلن رئيس المجلس إتاحة مشروعات القوانين للنواب قبل إدراجها للمناقشة، بهدف دراستها، مؤكدًا أهمية تفعيل الأدوات التشريعية والرقابية ومناقشة الملفات التي تهم الرأي العام.

لكن إتاحة الأدوات شيء، وقدرة استخدامها على تغيير القرار شيء آخر، فالمعيار الحقيقي لقوة المعارضة داخل البرلمان لا يتمثل فقط في عدد الكلمات التي يلقيها نوابها تحت القبة، وإنما في عدد الملفات التي نجحت في تعديلها أو تعطيلها أو إدخال تعديلات جوهرية عليها.

تظهر المسألة بصورة أكثر وضوحًا في الموازنة العامة، ففي يونيو 2026 أقر المجلس خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومشروعات قوانين ربط الموازنة للعام المالي 2026/2027، إلى جانب موازنات الهيئات الاقتصادية المختلفة، بعد مناقشتها والتصويت عليها بابًا بابًا ومادة مادة.

كما ناقش المجلس الحساب الختامي لموازنة 2024/2025، وأحال توصيات لجنة الخطة والموازنة إلى الحكومة لاتخاذ اللازم.

من يضع الأجندة؟

الحكومة تمتلك أدوات قوية تجعلها لاعبًا رئيسيًا في صناعة الأجندة، بحكم مسؤوليتها عن تنفيذ السياسة العامة وإعداد مشروعات القوانين المرتبطة ببرنامجها وموارد الدولة.

لكن النواب يمتلكون أدوات أخرى لصناعة أجندة موازية تبدأ من الشارع: شكوى مواطن، مشكلة خدمات، أزمة أسعار، قرار إداري، أو ملف جماهيري.

والفارق الحقيقي بين برلمان يراقب الحكومة وبرلمان يشارك فعليًا في صناعة السياسات يكمن في قدرته على تحويل هذه القضايا من مجرد مناقشات إلى تشريعات أو تعديلات أو قرارات تنفيذية قابلة للقياس.

وفي هذا الإطار تبرز عدة تساؤلات في تقييم دور البرلمان: كم قانونًا أقر؟ كم قانونًا اقترحه النواب؟ وكم قانونًا تغيرت مواده بسببهم؟ وكم قرارًا حكوميًا تراجع أو تعدل بعد تحرك برلماني؟ وكم توصية نيابية تحولت إلى إجراء على الأرض؟

عند الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام، يمكن معرفة من يضع أجندة البرلمان بالفعل: الحكومة التي تقدم الجزء الأكبر من التشريعات، أم النواب الذين يحاولون تحويل مطالب الشارع إلى أجندة سياسية وتشريعية.

تم نسخ الرابط