و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

حضرتُ مؤخرًا اجتماعين جمعا عددًا من المحررين و المراسلين والصحفيين؛ لم تكن اجتماعات عمل، بل لقاءات خفيفة بعيدًا عن ضغط المهنة، بلا بروتوكول ولا جدول أعمال.

لكن شيئًا فيها جذبني أكثر من الحدث نفسه؛ كانت أحاديثهم وضحكاتهم تحمل الاهتمام نفسه، أشبه بعائلة تحمل لقبًا واحدًا وإن اختلفت الأسماء والأعمار. كان هناك إيقاع مشترك يظهر فجأة وسط الضحك؛ نبرة تخفت قليلًا، أو صمت قصير يسبق جملة أثقل، كأن بينهم اتفاقًا غير معلن على أهمية بعض اللحظات.

وفي تلك الوقفات، كانوا يذكرون مواقف مرّوا فيها بخطر حقيقي وهم يلاحقون خبرًا أو مشهد ، دون أن يجعلوا منها بطولة أو يستدرّوا تعاطفًا؛ كان الأمر يمر في كلامهم عابرًا، وكأن ما يهمهم ليس اللحظة الصعبة، بل وصول ما خرجوا من أجله. وكنت ألاحظ كيف تتغير ملامحهم حين يصلون إلى تلك اللحظة، كأنها اللحظة التي يشعرون فيها بأن لوجودهم معنى.

كانوا يتحدثون عن العمل بهذا الحماس حتى في جلسة لا علاقة لها بالعمل؛ فمن يحمل قناعة بأن ما يفعله يصل إلى مكان أبعد منه، يروي حتى مخاطره بفخر هادئ، لا بشكوى.

وكنت، وأنا أراقبهم، أفكر بداخلي: إن هؤلاء جنود.

نعم… جنود… جنود الحقيقة.

في اللحظة التي أدركت فيها أن ما يجمعهم ليس فقط مهنتهم، بل إيمانهم بفكرة بسيطة وعظيمة؛ أن هناك شيئًا يستحق أن يصل.

اخذني سؤال ، ماذا لو حمل أصحاب القوة الناعمة الإحساس نفسه بالرسالة؟

ماذا لو سأل كل فنان وإعلامي وصاحب تأثير نفسه: ماذا أريد أن يصل؟

ومن هنا يبدأ دور الفنان والإعلامي، لا أقصد أن يتحول الفنان إلى واعظ، بل أن يدرك أن ما يقدمه لا ينتهي بانتهاء المشهد؛ فالشخصية التي يجعلها محبوبة، والسلوك الذي يقدمه بصورة جذابة، والقيمة التي يضعها في قلب حكايته، قد تترك في الناس أثرًا يفوق أي خطاب مباشر.

والإعلامي كذلك، فرسالته تبدأ من اختياراته؛ من يستضيف، وماذا يسأل، ومن يمنحه مساحة، وكيف يقدم ضيفه أو قصته. وحتى اللغة التي يستخدمها ليست مجرد كلمات؛ إنها اختيارات تصنع أثرًا.

وهنا تصبح القوة الناعمة أخطر مما نتصور،

فالخبر تستقبله وأنت تعرف أنك أمام معلومة؛ تستمع، وتحلل، وربما توافق أو تختلف.

أما الفن فيصلك وأنت أكثر استعدادًا للتلقي، أنت لا تجلس بالضرورة وأنت تقول لنفسك إنك تستقبل فكرة ستؤثر فيك، أنت تشاهد لتستمتع، ولذلك قد تمر الفكرة دون مقاومة إلى الوجدان قبل العقل.

وقد لا يكون تأثيرها في أن تخبرك ماذا تفعل، وإنما في أن تغيّر ما تراه طبيعيًا، وما تعتبره مقبولًا، ومن تتعاطف معه ومن هنا يبدأ أثرها في المجتمع.

ولهذا قد يمتد أثرها إلى ما هو أبعد من القانون؛ فالقانون يحدد العقوبة، لكن المجتمع يصنع كثيرًا من معاني القبول والرفض. وما يرفضه المجتمع لا يتشكل فجأة فهو يتكون ببطء من كل ما نشاهده ونسمعه ونضحك عليه ونعجب به ونعتاده، حتى يصبح بعضه طبيعيًا في أعيننا دون أن نتوقف لنسأل: متى أصبح كذلك؟

ومن هنا تأتي مسؤولية كل من يملك قوة ناعمة.

فهل يمكن لأصحابها أن يتكاتفوا؟ أن يحمل كل فنان شيئًا يؤمن به؟ وأن يدرك كل إعلامي أن سؤاله وحده قد يصنع فكرة، وأن اختياره لمن يظهر وكيف يظهر يمكن أن يمنح قيمة أو يرسخ صورة؟

ربما عندها نستطيع أن نستعيد بعض القيم التي فقدناها دون أن نشعر؛ احترامًا كان طبيعيًا، وصدقًا لم يعد دائمًا الخيار الأسهل، وإحساسًا بالمسؤولية لا يرتبط فقط بالخوف من العقوبة.

أنا لا أتحدث عن وصاية على الفن أو الإعلام، بل عن حرية يصاحبها وعي.

عن فنان يعرف أن موهبته ليست فقط قدرة على جذب الناس، بل قدرة على ترك شيء فيهم، وعن إعلامي يعرف أن الميكروفون ليس مجرد أداة لسؤال الضيف، بل مساحة يمكن أن ترفع قيمة، أو تمنح سلوكًا شرعية، أو تلفت الانتباه إلى حقيقة.

فالصحفي ينقل لنا حقيقة حدثت بالفعل، أما الفنان والإعلامي وكل صاحب تأثير، فيملكون شيئًا آخر؛ أن يساهموا في تشكيل ما سيصبح حقيقة في وجدان المجتمع غدًا. ☆ماذا نريد أن يصل؟☆.docx

تم نسخ الرابط