اختراق فكري أم تزوير؟
ننفرد بنشر «بحث الخزعلي» الذي أربك الأزهر وأطاح بعميد كلية القرآن الكريم
شهدت جامعة الأزهر حالة من الارتباك، انتهت بصدور قرار بقبول استقالة الدكتور أحمد عبد المرضي، عميد كلية القرآن الكريم بطنطا، واعتذاره عن الاستمرار في منصبه، في أعقاب الأزمة المدوية التي فجرها تداول وثائق تفيد بإجازة ونشر بحث علمي منسوب لقيادي شيعي عراقي بارز داخل المجلة العلمية التابعة للكلية.
وتعود ملابسات الواقعة إلى مطلع شهر أكتوبر، عندما انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي وثائق صادرة عن الكلية تشير إلى موافقة مجلتها العلمية على نشر بحث تحت عنوان «موانع نظرية التدبر القرآني»، مقدم من الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق في العراق، قيس الخزعلي.
واحتفت حسابات ومكاتب مقربة من القيادي الشيعي بهذا المنشور باعتباره إنجازاً علمياً مميزاً حظي بتحكيم سري وإجازة من أساتذة متخصصين في جامعة الأزهر بوصفها أعرق المؤسسات الدينية السنية.
هذا الاحتفاء أثار موجة غضب عارمة وانتقادات لاذعة طالت إدارة الكلية والجامعة، نظرًا للحساسية البالغة التي توليها مؤسسة الأزهر لملفات الاختراق الفكري والعقائدي، فضلاً عن المواقف السياسية المعقدة المرتبطة بشخصية قيس الخزعلي صاحب البحث.
وامتدت حالة الاستهجان لتساؤلات عن كيفية عبور ورقة بحثية تحمل أبعاداً فكرية مغايرة لمنهج الأزهر الشريف عبر لجان التحكيم دون تدقيق كاف في هوية الباحث وخلفيته العقائدية والسياسية.
وأمام هذا التصاعد المتسارع للأزمة، دخلت مشيخة الأزهر على خط المواجهة المباشرة؛ حيث وجه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بفتح تحقيق عاجل للوقوف على أبعاد هذه الواقعة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، خرجت مصادر رسمية داخل جامعة الأزهر لتؤكد أن الخطاب المتداول بشأن الموافقة على نشر البحث "مزور بالكامل" ولا أساس له من الصحة، موضحةً أن الادعاء بنشره في "العدد الثاني عشر" لديسمبر من العام الجاري ينطوي على تضليل؛ كون هذا العدد قد صدر بالفعل في يونيو الماضي متضمناً أبحاثاً أخرى ليس من بينها البحث المزعوم.
ورغم النفي الرسمي المتأخر للجامعة وتأكيدها لوقوع التزوير، سارعت إدارة جامعة الأزهر، برئاسة الدكتور محمود صديق، لاتخاذ إجراءات لتهدئة الرأي العام ومحاسبة المسؤولين عن التقصير الإداري الذي سمح بتداول هذه المستندات واستغلال اسم الكلية.
وفي هذا السياق، قامت جامعة الازهر بقبول استقالة عميد الكلية الدكتور أحمد عبد المرضي، وصدر قرار فوري بتكليف الدكتور محمد سليمان حنفي، وكيل الكلية لشؤون البنين، بتسيير الأعمال وتولي منصب العمادة مؤقتاً، في خطوة وصفتها مصادر مطلعة بأنها تهدف إلى إعادة الانضباط وتطهير اللجان العلمية والمجلات الأكاديمية من أي ثغرات إدارية.

ملخص بحث الخزعلى
لبحث عبارة دراسة تأصيلية تُبحر في معالجة الإشكاليات التي تحول بين المسلم وبين الفهم العميق لآيات الذكر الحكيم، حيث ينطلق البحث من فرضية أساسية مفادها أن القراءة المجردة أو الترتيل الظاهري للنصوص لا يحقق الغاية الأسمى من نزول الوحي ما لم يصاحبه تدبر واعٍ. ويسعى البحث إلى وضع "نظرية متكاملة" تفسر الفجوة بين كثرة تلاوة القرآن وقلة الأثر السلوكي والمعرفي لآياته في واقع الأمة، مبيناً أن استلهام الهداية مشروط بتطهير العقل والقلب من عوائق وعقبات محددة تحجب نور النص عن القارئ.
ويركز البحث بشكل موسع على التمييز الدقيق بين مفهومي "التفسير" و"التدبر"، معتبراً أن التفسير هو مجرد كشف عن الغطاء اللغوي والتاريخي لمعاني الألفاظ والعبارات، وهو مهمة تخصصية يضطلع بها العلماء. أما التدبر، فهو عملية عقلية وقلبية تفاعلية، ومسؤولية تقع على عاتق كل قارئ للنص؛ بهدف تمثل قيم القرآن، واستنباط مقاصده وغاياته، والوقوف عند وعيده ووعده، وهو ما يتطلب حضوراً فكرياً ونفسياً كاملاً يتجاوز المرور السريع على الكلمات.
وفي تصنيفه للموانع، يفرد البحث مساحة واسعة للحديث عن "الموانع الباطنية والمعنوية"، والتي يراها الأخطر على الإطلاق لأنها تتعلق بفساد القابل (أي القلب). ويأتي في مقدمة هذه الموانع: الكبر، واتباع الهوى، والإصرار على الذنوب، والانحرافات العقائدية التي تجعل القارئ يفسر النص وفقاً لأفكار مسبقة بدلاً من الانقياد له. كما يشير إلى أن ضعف تعظيم الله عز وجل في القلب يتبعه بالضرورة ضعف تعظيم كلامه، مما يفقد القارئ حالة الخشوع والتهيؤ النفسي اللازمة لاستقبال رسائل السماء.
وفي المقابل، يستعرض البحث "الموانع الظاهرية والحسية" التي تعيق إدراك المقاصد القرآنية، مقسماً إياها بين قصور معرفي وأدوات لغوية. ويشمل ذلك ضعف التمكن من علوم اللغة العربية وقواعدها، وهو ما يسبب فهماً مشوهاً أو قاصراً لأساليب البيان القرآني، إلى جانب الانشغال المفرط بالشواغل المادية وعجلة الحياة اليومية أثناء التلاوة. كما ينتقد البحث ظاهرة التركيز الميكانيكي المستغرق في إخراج الحروف والوقوف عند الظواهر الصوتية للتجويد على حساب الالتفات إلى عمق المضمون وسياق الآيات وهدايتها.








