تخيّل إنك تفتح تيك توك، تلاقي بلوجر عاملة لايف، وآلاف وملايين بيتفرجوا، مش علشان بتقدم معلومة مفيدة، لكن علشان يعرفوا صاحبتها خانتها ولا لأ، ومين اتجوز مين، ومين طلّق مين، ومين قال إيه لمين، وسط شتائم واتهامات وتفاصيل شخصية المفروض إنها تخص أصحابها.
والأغرب إن كل ما الخلاف يكبر، والشتائم تزيد، الاهتمام يزيد معاها، والناس تدخل تتفرج وتعلّق وتنقل الكلام لغيرها.
طيب، هو إحنا وصلنا لإيه؟ وإمتى بقت خناقات الناس مادة للتسلية، وملايين المشاهدات مكافأة على كل ده؟
أنا مش ضد البلوجرز، ولا ضد إن أي إنسان ينجح ويكسب فلوس من شغله. ومش من حقي أحكم على رزق حد أو أتهمه من غير دليل. لكن من حقنا نسأل عن نوع المحتوى اللي بقى واخد مساحة ضخمة من اهتمامنا، وعن تأثيره علينا وعلى أولادنا.
لأن الموضوع أكبر من بلوجر، وأكبر من خناقة، وأكبر من تريند هيختفي بعد يومين.
المشكلة إننا بقينا قدام مشهد يخلّي شاب قضى سنين عمره في الدراسة والاجتهاد، وبيحاول يلاقي شغل محترم ويعيش بكرامة، يسأل نفسه: هو أنا بتعب ليه؟
شاب يتخرج، ويطوّر نفسه، ويشتغل، ويصرف من عمره ومجهوده علشان يبني مستقبله، وفي الآخر ممكن يقبض مرتبًا بالكاد يكفي احتياجاته الأساسية.
وفي الناحية التانية، يفتح موبايله، فيلاقي خناقة على السوشيال ميديا شاغلة الناس، ومشاهدات بالملايين، وحديثًا عن أرقام ومكاسب ضخمة.
هل معنى ده إن كل بلوجر بيكسب فلوسه من غير مجهود؟ طبعًا لأ. وهل كل مشهور ما بيقدمش قيمة؟ برضه لأ. فيه ناس موهوبة وشاطرة وبتقدم محتوى محترم وبتشتغل بجد علشان تنجح.
لكن السؤال الحقيقي: هل إحنا بقينا بندّي الاهتمام الأكبر للي يثير فضولنا، حتى لو على حساب ذوقنا ووعينا، بدل ما نشجّع اللي يضيف لنا حاجة حقيقية؟
فيه فرق بين إنك تكون مشهور، وإنك تكون ناجح، وإنك تكون مؤثرًا بشكل إيجابي. مش كل حاجة تجيب مشاهدات تبقى إنجازًا، ومش كل حاجة الناس تتكلم عنها تبقى تستحق كل المساحة دي من وقتنا.
الجمهور شريك في التريند
والحقيقة اللي لازم نعترف بيها إن الجمهور نفسه جزء من المشكلة. ممكن ننتقد محتوى ونقول إنه تافه، وفي نفس الوقت ندخل نتفرج عليه، ونعلّق، ونبعت اللينك لأصحابنا. وبكده نكون ساهمنا في انتشاره، حتى لو كنا بننتقده.
والأخطر إن الأطفال والمراهقين بيشوفوا كل ده. فإزاي نطلب منهم يؤمنوا بقيمة العلم والشغل والاجتهاد، وإحنا بنشوف قدامنا نماذج بتاخد اهتمامًا هائلًا بسبب خلافات شخصية وشتائم واتهامات؟
إحنا مش محتاجين نحارب الشهرة، ولا نحكم على أرزاق الناس، لكن محتاجين نراجع الرسائل اللي بنوصلها للجيل الجديد عن معنى النجاح وقيمة الإنسان.
وهنا بييجي دور صناع المحتوى، والمنصات الرقمية، والإعلام، والمؤسسات المعنية بالتوعية. من حق المجتمع يناقش مدى فاعلية التعامل مع الإساءة وانتهاك الخصوصية، ويطالب بمحتوى أكثر مسؤولية، من غير ما يتحول الاختلاف إلى دعوة لمنع التعبير أو مهاجمة أشخاص بعينهم.
ومصر، بكل ما شهدته من تطوير ومشروعات، محتاجة إن الاستثمار في الإنسان والوعي والثقافة يكون جزءًا أساسيًا من أي تقدم. لأن بناء البلد مش طرق ومباني وخدمات بس؛ بناء البلد كمان في عقول أبنائها، وفي القيم اللي بنشجّعها، وفي النماذج اللي بنقدمها لهم باعتبارها ناجحة.
أنا مش ضد إن حد يكسب ملايين، أنا ضد إننا نوصل لمرحلة يبقى فيها إثارة الجدل أسهل في جذب الاهتمام من العلم والعمل والإبداع، وإن خناقات الناس تبقى أهم عندنا من مستقبل ناس بتحاول تبني حياتها.
في النهاية، كل واحد حر يتفرج على اللي هو عايزه، لكن لازم نفهم إن اهتمامنا مش حاجة بلا تأثير. كل مشاهدة ومشاركة ممكن تساعد في صناعة التريند، وكل مرة بنختار فيها محتوى على حساب محتوى تاني، بنساهم في تحديد شكل المشهد اللي بيظهر قدامنا.
فلو خناقة على تيك توك تقدر تجمع ملايين المشاهدات، يبقى السؤال مش بس: مين اللي عمل اللايف؟ السؤال الأهم: إحنا ليه كلنا وقفنا نتفرج؟
لأن التريند مش بيصنعه شخص واحد، أحيانًا إحنا اللي بنصنعه بإعجابنا ومشاركتنا وفضولنا.
الجيل اللي بيتفرج علينا النهارده، هو نفسه الجيل اللي هنطلب منه بكرة يبني بلدنا. والسؤال: إحنا بنعلّمه إيه، وإحنا بنصفق لمين؟




