إمداد «الدعم السريع» بالأسلحة والمرتزقة
السودان يتهم إثيوبيا بقصفه بالمسيرات وخبير: الخرطوم لا تريد توسيع دائرة الحرب
أشعلت اتهامات السودان الأخيرة إلى إثيوبيا بإمداد ميلشيا الدعم السريع بالأسلحة وإدخال مرتزقة أجانب إلى الأراضي السودانية، الموقف المشتعل أصلا في البلدين، وسط تحذيرات من نشوب الحرب بينهما، بعد حديث الخرطوم عن استخدام مطار أصوصا الإثيوبي كمنصة لإطلاق الطائرات المسيرة التابعة للميلشيا، لتنفيذ هجمات استهدفت منشآت مدنية وحيوية، من بينها مستشفيات ومدارس ومحطات كهرباء ومياه ووقود داخل البلاد، وأسفرت عن مقتل وإصابة المئات، وهو ما يمثل تهديدا لأمن السودان واستقراره.
وأكدت الخارجية السودانية احتفاظ الخرطوم بحق الرد على هذه الهجمات، واتخاذ ما يلزم لحماية أراضيها ومواطنيها، ودعت المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته إزاء التدخلات والاعتداءات التي تستهدف السودان.
ووصف السفير معاوية عثمان، وكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية، هذه الهجمات بأنها عدوان على السودان، والتي تأتي في إطار "حرب بالوكالة" تنفذها إثيوبيا لصالح أطراف ودول موجودة بالإقليم، عبر استخدام المليشيا المتمردة ذراعا في هذا العدوان.
وأكدت الخارجية السودانية أن قاعدة أصوصا الإثيوبية، تحولت إلى مركز لإمداد مليشيا الدعم السريع بالأسلحة والعتاد، وتيسير عبور المقاتلين الأجانب والمرتزقة المشاركين في الحرب على السودان، والأخطر هو استخدام القواعد والأراضي الإثيوبية منطلقا لشن هجمات بالطائرات المسيّرة على البلاد، ولكن الحكومة السودانية تبذل جهدها لخفض التصعيد ومعالجة المشاكل القائمة في العلاقات السودانية الإثيوبية عبر مختلف الوسائل الدبلوماسية، مع احتفاظ السودان بحقه الكامل في الرد على أي عدوان.
ويرى عمرو خان، الباحث المتخصص في الشأن الإفريقي، أن التوتر بين السودان وإثيوبيا دخل مرحلة أكثر تعقيدا، مع انتقال الخلافات من دائرة التجاذبات السياسية إلى تبادل اتهامات تتصل مباشرة بالأمن القومي للبلدين.
وأوضح أنه في الوقت الذي تتهم فيه أديس أبابا الخرطوم بدعم قوات تيجراي والقوى المتحالفة معها في مواجهتها مع حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، تتهم السودان إثيوبيا بتقديم دعم لوجستي لقوات الدعم السريع، واستخدام أراضيها منصة لإطلاق طائرات مسيرة انتحارية تستهدف منشآت حيوية داخل السودان، بحسب ما جاء في بيان الخارجية السودانية، من أن مطار أصوصا داخل الأراضي الإثيوبية يُستخدم لاستضافة منصات صواريخ.

وأضاف "خان" لـ «الصفحة الأولى» أن هذه الاتهامات تكتسب خطورتها من طبيعة الأهداف التي تقول الخرطوم إنها تعرضت للهجمات، وفي مقدمتها محطات توليد الكهرباء، حيث تحدثت عن استهداف نحو خمس محطات في مناطق مختلفة داخل ولاية الخرطوم ومدن أخرى، وأن إثبات هذه الاتهامات، يعني انتقال تداعيات الحرب السودانية إلى مستوى إقليمي أكثر اتساعًا، بما يهدد بتحويل الأراضي الإثيوبية إلى ساحة مؤثرة في مسار الصراع.
احتمالات الحرب
وأشار إلى أن بيان وزارة الخارجية السودانية، يأتي كمحاولة للفصل بين التمسك بحق الدولة في حماية أراضيها وبين الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الجارة الشرقية، فالخرطوم، التي تخوض حربًا ممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، تواجه ضغوطًا عسكرية وأمنية متزامنة، خصوصًا في محوري كردفان ودارفور، حيث تتواصل المواجهات مع قوات الدعم السريع، ومن ثم، فإن فتح جبهة جديدة مع الجيش الإثيوبي، وهو جيش نظامي يمتلك قدرات عسكرية ومؤسسات دولة، سيعني توزيع الموارد والقدرات العسكرية على أكثر من مسرح عمليات، في وقت تحتاج فيه القوات المسلحة إلى تركيز جهودها على الحرب الداخلية، في ظل ضغوط داخلية بإنهاء الحرب، وضغوط خارجية إقليمية ودولية بالقبول بهدنة والتفاوض على إنهاء الحرب، والانتقال إلى مسار سياسي لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وأكد الباحث المتخصص في الشأن الإفريقي، أن هذه الموقف لا يعني بالضرورة غياب خيارات الرد، بقدر ما يعكس ترتيبًا للأولويات الأمنية، بحيث تظل الدبلوماسية أداة أولى لإدارة الأزمة، مع الاحتفاظ بحق الدفاع عن السيادة الوطنية وفقًا لما تؤكده الخرطوم.
وقال عمرو خان إنه لا يمكن قراءة التصعيد السوداني الإثيوبي، بمعزل عن التفاعلات الأوسع في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع الحرب في السودان مع التوترات الداخلية الإثيوبية، فضلا عن التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والممرات البحرية ومصالح الملاحة في البحر الأحمر.
وحذر من أن استمرار الصراعات الداخلية في البلدين يوفر بيئة قابلة لتداخل الأجندات الخارجية، ويزيد من احتمالات توظيف الخلافات الحدودية والسياسية لخدمة حسابات أطراف تسعى إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، كما أن ارتباط السودان بموقع استراتيجي على البحر الأحمر، وقرب إثيوبيا من الممرات الحيوية في القرن الإفريقي، يجعل أي تصعيد بينهما ذا أبعاد تتجاوز العلاقات الثنائية.
وعلى المستوى الداخلي، فإن الأزمة الإنسانية والاقتصادية في السودان، تفرض قيودا إضافية على خيارات التصعيد، فالمواطن السوداني يواجه تداعيات الحرب من نزوح ونقص الخدمات الصحية والعامة وارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية، وهو ما يجعل فتح مواجهة خارجية جديدة عبئا إضافيا على الدولة والمجتمع، ومن هنا، فإن تمسك الخرطوم بخفض التصعيد لا يمثل مجرد موقف دبلوماسي، بل يرتبط بحسابات عسكرية واقتصادية وإنسانية تفرض تجنب توسيع دائرة الحرب.
وأكد عمرو خان أن قراءة الموقف تكشف أن العلاقات السودانية الإثيوبية تقف أمام اختبار يتجاوز تبادل الاتهامات، إلى قدرة الطرفين على منع انتقال الخلاف السياسي والأمني إلى مواجهة مفتوحة، حيث تظل فاعلية المسار الدبلوماسي مرهونة بوجود قنوات اتصال وضمانات متبادلة، والتعامل مع الاتهامات عبر الأدلة والآليات المناسبة، بما يحول دون تدويل الصراع السوداني بصورة تزيد من تعقيدات الأزمة في القرن الإفريقي.








