و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

ثمة رجال لا تُروى حكاياتهم بلغة المناصب والألقاب وحدها، لأن في سيرتهم ما هو أعمق من السيرة الذاتية، وأبقى من شهادات التقدير، رجال يحملون في تكوينهم شيئًا من الأرض التي خرجوا منها، وفي طموحهم ما يتجاوز حدود المكان، وفي أعمالهم أسئلة لا تخصهم وحدهم، بل تخص المجتمع الذي عاشوا بين أبنائه، ورأوا آلامه، وانشغلوا بمستقبله، ومن هؤلاء الكتاب والمفكر الأستاذ الدكتور صلاح هاشم، أستاذ التنمية والتخطيط بجامعة الفيوم، الذي انطلق من مركز طما بمحافظة سوهاج، من قلب صعيد مصر، ليشق طريقه في دروب العلم والبحث والعمل التنموي، ويجعل من قضايا الفقر والعدالة والحماية الاجتماعية ميدانًا لرحلة فكرية ومهنية ممتدة.

لم تكن طما في حكايته مجرد اسم على خريطة، ولا محطة أولى تذكر في مقدمة السيرة ثم تُنسى؛ فالمكان الذي يبدأ منه الإنسان يظل، مهما ابتعدت به المسافات، جزءًا من تكوينه ومن الطريقة التي يرى بها العالم، ومن صعيد مصر، حيث تتجاور أصالة الجذور مع مشقة السعي، بدأت رحلة رجل لم يكتف بأن يبلغ مكانة أكاديمية، بل اختار أن يذهب بعلمه إلى مناطق أكثر تعقيدًا في حياة المجتمع، إلى حيث تتقاطع الحاجة بالكرامة، والفقر بالعدالة، والسياسات العامة بمصائر البشر، ومن هناك اتسعت الدائرة، حتى أصبح اسمه حاضرًا في مجال التنمية والحماية الاجتماعية، وامتدت خبراته من قاعات الجامعات إلى المؤسسات الحكومية والمنتديات العلمية والدوائر الدولية.

واللافت في تجربة صلاح هاشم أن الفقر لم يكن بالنسبة إليه رقما جامدا في تقرير اقتصادي، ولا مشهدًا عابرًا يستدر العاطفة، وإنما كان سؤالًا يستحق البحث، وظاهرة تستدعي الفهم، وقضية تتطلب الانتقال من وصف المعاناة إلى تفكيك أسبابها، فالفقير ليس رقما في جدول، بل إنسان تتزاحم في حياته الاحتياجات، وتحاصره أحيانا قلة الفرص، ويجد نفسه مطالبا بتدبير يومه في ظروف لا تمنحه دائمًا ما يكفي من الاختيارات، ومن هنا تكتسب دراسات الفقر معناها الحقيقي؛ حين تنظر إلى الإنسان في سياقه الاجتماعي، وتبحث في العوامل التي تضيق أمامه مساحات الحركة، وفي السياسات التي يمكن أن تفتح له أبوابًا ظلت موصدة طويلًا.
ولعل هذا الانشغال هو الخيط الذي يجمع بين عدد كبير من مؤلفات صلاح هاشم؛ فمهما تنوعت العناوين وتعددت زوايا النظر، تظل هناك عودة متكررة إلى الإنسان في علاقته بالمجتمع، وإلى العدالة في علاقتها بالتنمية، وإلى المؤسسات في قدرتها على حماية الفئات الأكثر احتياجًا، وقد تجاوز إنتاجه عشرين مؤلفًا في مجالات التخطيط والتنمية والفقر والعدالة الاجتماعية، فضلًا عن أعمال ثقافية وأدبية، وهو تنوع يكشف عن باحث لم يحبس نفسه داخل نافذة واحدة، بل حاول أن يقرأ الظاهرة الاجتماعية من أكثر من باب.

العلم والعدالة والتنمية

وفي كتابه «الفقراء الجدد: سوسيولوجية القهر والحيلة»، الذي صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2017، يضع هاشم القارئ أمام عنوان لا يمر مرورًا عابرًا؛ فالقهر والحيلة كلمتان تختصران جانبًا من التناقض الذي يعيشه الإنسان حين تضيق به الظروف، لكنه يرفض الاستسلام لها، فالقهر يصف ما قد تفرضه الحياة من قيود وضغوط، أما الحيلة فتحمل معنى المحاولة والمناورة والبحث عن مخرج، ولو كان ضيقًا، وبينهما تتشكل حياة أناس لا يملكون دائمًا رفاهية الاختيار، لكنهم يواصلون البحث عن سبل للبقاء، ويحاولون أن يصنعوا من القليل ما يعينهم على الاستمرار.

إن جمال الفكرة في هذا العنوان أنه لا ينظر إلى الفقراء باعتبارهم كتلة صامتة تنتظر المساعدة، بل يفتح بابًا لفهم سلوكهم وطرق تكيفهم مع واقعهم، فالإنسان الذي يواجه الحرمان لا يعيش على هامش الاقتصاد وحده، بل يعيش أيضًا داخل شبكة من العلاقات والتوقعات والضغوط، ويعيد ترتيب حياته وفق ما تسمح به إمكاناته، ومن هنا، يصبح الفقر تجربة اجتماعية مركبة، لا يكفي لفهمها أن نعرف دخل الفرد، بل ينبغي أن نعرف ما يتاح له من خدمات وفرص، وما يحيط به من مخاطر، وما يملكه من قدرة على تجاوز الأزمات.

ولم يبق هذا الكتاب محصورًا في حدود التداول المحلي، فقد أعلنت جامعة الفيوم في سبتمبر 2026 اختياره للنشر على مستوى العالم وبمختلف اللغات بواسطة التحالف الدولي للناشرين، وهي محطة تمنح العمل فرصة للوصول إلى قراء جدد، وتضع موضوعه في سياق إنساني أوسع؛ فالفقر، وإن اختلفت أشكاله من مجتمع إلى آخر، يظل قضية تتجاوز الحدود، وتستدعي حوارًا علميًا حول أسبابها وطرق مواجهتها، وليس ثمة ما هو أبلغ من أن تنتقل فكرة خرجت من واقعنا إلى فضاءات أوسع، لتدخل في نقاش عالمي حول الإنسان وكرامته وقدرته على الحياة.

ومن هذا السؤال الإنساني ينتقل بنا كتابه «الحماية الاجتماعية للفقراء» إلى سؤال المسؤولية: ماذا ينبغي للمجتمع أن يفعل حين يجد بعض أبنائه أنفسهم في مواجهة المرض أو البطالة أو ضعف الدخل أو انعدام الفرص؟ هنا لا يعود الأمر متعلقا بالتعاطف وحده، بل بكيفية بناء سياسات قادرة على حماية الإنسان من المخاطر، ومساعدته على تجاوز الظروف التي قد تدفعه إلى دوائر متجددة من الاحتياج. فالحماية الاجتماعية ليست يدا تمتد وقت الأزمة ثم تنسحب، وإنما هي منظومة تتطلب التخطيط والاستهداف والكفاءة والاستمرارية، وتحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تصل إلى المستحقين، وأن تقيس أثر ما تقدمه في حياتهم.

وفي «العدالة الاجتماعية والحق في التنمية» تتسع الرؤية لتلامس واحدة من أهم قضايا المجتمعات الحديثة: هل يكفي أن ينمو الاقتصاد حتى نقول إن المجتمع يتقدم؟ أم أن التنمية لا تكتسب معناها الكامل إلا حين تنعكس على حياة الناس، وتفتح أمامهم فرصًا أكثر عدالة؟ إن الأرقام الكلية قد تخبرنا عن اتجاه الاقتصاد، لكنها لا تروي الحكاية كاملة؛ فثمة فرق بين نمو يظل أثره محدودًا في بعض القطاعات، وتنمية تتسع ثمارها لتشمل التعليم والعمل والخدمات وفرص المشاركة، والعدالة هنا ليست زينة تضاف إلى التنمية بعد اكتمالها، بل هي جزء من معناها ومن قدرتها على الاستمرار.

ويعود هاشم إلى سؤال المجتمع ودوره في كتابه «العدالة والمجتمع المدني: حالة مصر»، حيث تتبدى أهمية المؤسسات التي تعمل بين الدولة والمواطنين، وتساعد على التعبير عن الاحتياجات وتنظيم المبادرات وتوسيع المشاركة. فالمجتمع لا يتقدم بقرارات المؤسسات الرسمية وحدها، كما لا يستطيع العمل الأهلي أن يؤدي دوره بمعزل عن الإطار القانوني والمؤسسي الذي ينظم نشاطه، إن التنمية مسؤولية تتوزع أدوارها بين أطراف متعددة، وكلما اتضحت هذه الأدوار، وتوافرت الشفافية والقدرة على التعاون والتقييم، ازدادت فرص تحويل المبادرات إلى نتائج حقيقية.
أما «التنمية والجريمة المعولمة: سياسات الإفقار والهدم الخلاق»، فهو لكتابي المفضل  حيث فتح نافذة لي على العلاقة المعقدة بين التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمخاطر التي تواجه المجتمعات، فالجريمة المنظمة لا تنشأ من عامل واحد، ولا يمكن ردها إلى الفقر وحده، لكنها ترتبط في بعض صورها بضعف المؤسسات والفساد وشبكات المصالح والفرص غير المشروعة، ومن ثم، فإن دراسة التنمية لا تنفصل عن فهم البيئة الاجتماعية والمؤسسية التي تتحرك داخلها، ولا عن القدرة على تقليص مساحات التهميش وتعزيز فرص العمل المشروع وتطوير أدوات الوقاية والمساءلة.

وفي كتاب «ثورات الجياع: قراءة سوسيولوجية في تاريخ مصر»، يقترب المؤلف من لحظات التاريخ التي تتراكم فيها الضغوط المعيشية وتتشابك مع العوامل السياسية والاجتماعية، فالتاريخ لا يصنعه الحدث وحده، بل تصنعه أيضًا الظروف التي تسبقه، والتوقعات التي تتشكل داخل المجتمع، والفجوات التي تتسع بين الاحتياجات والإمكانات، ومن يقرأ التاريخ بعين اجتماعية لا يكتفي بسرد ما وقع، بل يحاول أن يفهم لماذا وقع، وكيف تفاعلت العوامل المختلفة حتى وصلت الأمور إلى لحظات التحول. وهكذا يصبح الماضي مجالًا للتأمل في الحاضر، لا مجرد حكاية انتهت فصولها.

ويستكمل كتاب «التنمية والأزمة: مشكلات في طريق الثورة» هذا الاشتغال على المسافة بين التطلع إلى التغيير والقدرة على إنجازه، فالتغيير لا يكتمل بمجرد إعلان النوايا، والتنمية لا تتحقق بالشعارات، وإنما تحتاج إلى تخطيط واقعي، ومؤسسات فعالة، وموارد تُستخدم بكفاءة، وقدرة مستمرة على مراجعة السياسات وتصحيح مسارها، وبين الحلم والواقع مسافة لا يقطعها الكلام وحده، بل يقطعها العمل المنظم، والمساءلة، والقدرة على تحويل الأهداف الكبرى إلى خطوات يمكن متابعتها وقياس نتائجها.

ومن الأعمال التي تعكس اهتمامه ببناء المعرفة وتنظيمها «معجم مصطلحات التنمية والحماية الاجتماعية»، الذي صدر عام 2022، وقد يبدو المعجم بعيدًا عن حرارة القضايا الإنسانية التي تتناولها مؤلفاته الأخرى، لكنه في الحقيقة يلامس أساسًا مهمًا من أسس العمل التنموي؛ فالمفاهيم هي اللغة التي تفكر بها المؤسسات، وتبني عليها البرامج، وتحدد من خلالها الأهداف ومعايير الاستحقاق وطرق قياس النتائج. وعندما تضطرب المفاهيم، يضطرب معها التشخيص، وقد تتباعد الرؤى بين الباحثين وصناع السياسات والممارسين، لذلك فإن ضبط المصطلحات وتوحيد استخدامها ليس عملًا شكليًا، بل جهد يساعد على جعل المعرفة أكثر دقة، والسياسات أكثر وضوحًا، والحوار بين المؤسسات أكثر فاعلية.

ولا تقف تجربة صلاح هاشم عند حدود البحث والتأليف؛ فقد امتدت إلى العمل في وزارة التضامن الاجتماعي مستشارًا للسياسات الاجتماعية، خلال الفترة من 2017 حتى سبتمبر 2024، وشارك في جهود إعداد الاستراتيجية القومية للحماية الاجتماعية، إلى جانب خبراته مع مؤسسات تنموية ودولية. وفي هذه المساحة، تصبح الأفكار مطالبة بأن تواجه الواقع بكل تعقيداته؛ فهناك موارد ينبغي تدبيرها، وفئات ينبغي الوصول إليها، وبرامج تحتاج إلى تنسيق ومتابعة، ونتائج لا بد من تقييمها. إنها المسافة التي ينتقل فيها الباحث من بناء الفكرة إلى اختبار قدرتها على الحياة داخل المؤسسات.

كما امتدت خبراته الأكاديمية إلى خارج مصر، فعمل أستاذًا زائرًا بجامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان، وأستاذًا زائرًا للسياسات الاجتماعية بجامعة ديوك في الولايات المتحدة الأمريكية، وشارك في أعمال دولية تتصل بالتنمية والحماية الاجتماعية. وهذه المحطات تمنح التجربة اتساعًا في الرؤية، وتتيح الاطلاع على مقاربات مختلفة في التعامل مع المشكلات الاجتماعية، لكنها تكتسب قيمتها الأهم حين تُترجم إلى فهم أعمق للواقع المحلي، وإلى قدرة على الاستفادة من الخبرات العالمية دون إغفال خصوصية المجتمع المصري واحتياجاته.
ولأن شخصية الباحث لا تتشكل في الكتب وحدها، فإن حضور صلاح هاشم امتد كذلك إلى الصحافة والإعلام، حيث كتب في عدد من الصحف، وشارك في النقاشات العامة المتعلقة بالتنمية والسياسات الاجتماعية، وهذه مساحة لها أهميتها؛ فحين يخرج البحث من حدود الجامعة إلى المجال العام، يصبح في وسعه أن يطرح أسئلته على جمهور أوسع، وأن يجعل القضايا الاجتماعية أكثر حضورًا في الوعي العام، فالكتابة الصحفية ليست بديلًا عن البحث العلمي، لكنها قد تكون جسرًا يصل المعرفة المتخصصة بحياة الناس، ويقرب الأفكار من الذين تعنيهم نتائج السياسات في تفاصيل يومهم.
وفي تجربته جانب آخر يضيف إلى صورته العلمية بعدًا ثقافيًا وأدبيًا؛ فقد كتب أعمالًا من بينها «سلاطين الغلابة» و«نبض الخاطر»، إلى جانب مؤلفات شعرية مثل «غراميات صعيدي»، وهذا التنوع يشي بأن العلاقة بالمجتمع لا تُقرأ بلغة واحدة؛ فالبحث يحاول أن يفسر الظاهرة، والتحليل يختبر أسبابها، أما الأدب فيمنح الإنسان مساحة ليظهر بما يحمله من مشاعر وتناقضات وأحلام. ولعل اجتماع هذه المسارات يعبّر عن رغبة في الاقتراب من الحياة بأكثر من أداة، لأن الإنسان الذي تتناوله الدراسات هو نفسه الإنسان الذي يحلم ويتألم ويقاوم ويتطلع إلى غد أفضل.
وقد حظي صلاح هاشم بتقدير أكاديمي ومهني في أكثر من مناسبة، وكان من بينها ترشيحه من 7 جامعات حكومية للحصول على جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية بالمجلس الأعلى للثقافة، في تقدير يعكس اتساع حضوره داخل الأوساط الجامعية. وإلى جانب ذلك، حصل على تكريمات وجوائز، من بينها جائزة جامعة الفيوم للتفوق في خدمة المجتمع وتنمية البيئة، التي تسلمها في احتفالية عيد العلم عام 2025. ولا تنفصل قيمة هذه التقديرات عن مسيرة صاحبها، بما تتضمنه من إنتاج علمي متنوع، وخبرة عملية، واشتغال بقضايا تتصل بحياة المجتمع واحتياجاته.
وفي شخصيته المهنية، يبرز الانضباط والحزم بوصفهما من ملامح التعامل مع المسؤولية، فالمؤسسات العلمية لا تنهض بالأفكار وحدها، بل تحتاج إلى إدارة تعرف كيف تنظم العمل، وتحدد الأولويات، وتحترم الوقت، وتتابع التنفيذ. والحزم حين يستند إلى وضوح الرؤية والموضوعية يصبح أداة لضبط الأداء وحماية العمل من العشوائية، بينما يمنح الانضباط الخطط فرصة للتحول من أوراق مكتوبة إلى نتائج يمكن أن يلمسها الناس. وهذه الصفات تكتسب أهميتها حين تجتمع مع الخبرة العلمية، لأن القيادة الأكاديمية ليست منصبًا إداريًا فحسب، بل مسؤولية عن بيئة كاملة من التعلم والبحث والعمل الجماعي.
وفي مارس 2026، تولى صلاح هاشم عمادة كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة الفيوم، ليبدأ فصلًا جديدًا في مسيرته، والعمادة هنا ليست خاتمة الرحلة، بل انتقال إلى مسؤولية أوسع؛ مسؤولية تتصل بمستقبل الطلاب، وتطوير البحث العلمي، ورفع كفاءة البرامج التعليمية، وتعزيز الصلة بين الجامعة والمجتمع. ومجال الخدمة الاجتماعية، بما يواجهه من تحولات اقتصادية وديموغرافية وتكنولوجية، يحتاج إلى خريجين قادرين على فهم الواقع بأدوات علمية حديثة، وإلى بحوث لا تكتفي بوصف المشكلات، بل تسعى إلى تقييم البرامج وتطوير التدخلات وقياس الأثر.
وحين نعود إلى بداية الحكاية، إلى مركز طما بمحافظة سوهاج، ندرك أن المسافة التي قطعها الدكتور صلاح هاشم ليست مجرد انتقال من الصعيد إلى الجامعة، بل رحلة من التكوين العلمي إلى التأثير المؤسسي، ومن البحث في قضايا المجتمع إلى المشاركة في العمل على معالجتها، وبين الكتب والخبرات الدولية ووزارة التضامن الاجتماعي وعمادة الكلية، تتشكل صورة أكاديمي جعل من التنمية والحماية الاجتماعية مجالًا متصلًا بالبحث والممارسة، لا مجرد موضوعين عابرين في سجل اهتماماته.
إن قيمة هذه التجربة لا تختصرها الألقاب، ولا تستوعبها قائمة المؤلفات، ولا تتحدد بعدد المناصب التي شغلها صاحبها؛ إنها تتجلى في الأسئلة التي ظل يحملها معه: كيف يمكن أن يعيش الإنسان بكرامة؟ وكيف تصبح العدالة جزءًا من التنمية لا وعدا مؤجلًا؟ وكيف تتحول المؤسسات إلى أدوات تحمي المجتمع بدلًا من أن تكتفي بوصف أزماته؟ تلك أسئلة تتجاوز حدود التخصص، وتمنح العمل العلمي معناه الإنساني الأوسع.

هكذا تبدو حكاية صلاح هاشم: ابن صعيد مصر الذي حمل جذوره معه، ومضى في طريق العلم حتى صار اسمه حاضرًا في ميادين التنمية والحماية الاجتماعية، وجعل من الفقر والعدالة موضوعين يستحقان البحث والكتابة والعمل، إنها حكاية تؤكد أن العلم لا يبلغ ذروة قيمته حين يُحفظ في الكتب، بل حين يفتح للإنسان نافذة لفهم حياته، ويمنح المجتمع قدرة أكبر على مواجهة تحدياته، ويجعل المعرفة طريقا إلى واقع أكثر إنصافًا، فالأثر الذي يبقى ليس ما يُكتب عن العالم وحده، بل ما يتركه علمه من أسئلة وأفكار وفرص تواصل رحلتها بعد أن تنتهي صفحات الكتاب، وتظل حاضرة في حياة الناس.

تم نسخ الرابط