و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

شاركوا لأول مرة في حكومة 2021

القوائم العربية في إسرائيل.. من «الحزب الشيوعي» إلى زلزال الـ19 مقعد بالكنيست

موقع الصفحة الأولى

تشكل تجربة المشاركة السياسية لفلسطينيي الداخل المحتل في الكنيست الإسرائيلي أحد أكثر الملفات السياسية تعقيدا في كيان الاحتلال، فقد تحول هذا الوجود عبر سبعة عقود متواصلة من مجرد تمثيل هامشي خاضع للهيمنة الصهيوينة إلى قوة برلمانية مؤثرة وصلت إلى ذروتها التاريخية بحصد الأحزاب والقوائم العربية 19 مقعدا في الانتخابات الإسرائيلية.

هذا المسار الممتد من عام 1949 وحتى اليوم يحمل تحولات أيديولوجية واجتماعية عميقة، نقلت عرب الداخل من الهامش الإداري الواقع تحت الحكم العسكري الصهيوني إلى التأثير المباشر في تشكيل الحكومات ورسم الخريطة السياسية.

بدأت تجربة التمثيل البرلماني العربي مع انتخابات الكنيست الأولى في 25 يناير 1949، وخلال هذه المرحلة، اعتمدت المؤسسة الحاكمة في إسرائيل على هندسة ما سمي بالقوائم العربية المرتبطة بحزب الماباي الحاكم، بقيادة ديفيد بن جوريون، وكانت قائمة الناصرة الديمقراطية أول قائمة عربية دخلت البرلمان بحصولها على مقعدين.

وتميزت تلك الفترة، الممتدة من عام 1948 حتى إلغاء الحكم العسكري عام 1966، بفرض سلطة عسكرية صارمة على البلدات العربية، ونتج عن ذلك هيمنة القوائم الملحقة التي ضمت شخصيات عشائرية ووجهاء محليين، وكانت هذه القوائم تلتزم بالخط السياسي للحزب الحاكم دون امتلاك أيدولوجية مستقلة، وحصدت في خمسينيات القرن الماضي أكثر من نصف أصوات الناخبين العرب بسبب القيود الميدانية والسياسية المفروضة.

في المقابل، ظهر مسار مستقل عبر الحزب الشيوعي الإسرائيلي "ماكي"، الذي ضم أعضاء عربا ويهودا ونال 4 مقاعد في الانتخابات الأولى، وشكل هذا الحزب المنفذ السياسي الوحيد للتعبير عن القومية العربية والمطالبة بالمساواة، مقابل محاولات إسرائيلية حثيثة لمنع تشكيل أي حركة قومية مستقلة. وتجلى ذلك بشكل واضح في حظر حركة الأرض القومية عام 1964 ومنع قائمتها الاشتراكية من خوض الانتخابات.  

وشهد عام 1965 محطة مفصلية في السياسة العربية داخل الكيان الإسرائيلي ، حيث انقسم الحزب الشيوعي على خلفية الموقف من القومية العربية والصراع العربي الصهيوني، وأدى ذلك إلى تأسيس القائمة الشيوعية الجديدة "راكاح" بقيادة توفيق طوبي ومئير فيلنر، والتي أصبحت المعبر الأساسي عن الجماهير العربية.

يوم الأرض

وجاءت أحداث يوم الأرض في 30 مارس 1976 لتعيد تشكيل الوعي السياسي للناخب العربي، عقب مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي في الجليل وسقوط 6 شهداء، وأفرز هذا الحراك الشعبي تأسيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة عام 1977، وهي تحالف سياسي قادته "راكاح" وضم حركات يسارية ونقابية.

ونجحت الجبهة في انتخابات الكنيست التاسع عام 1977 في حصد 5 مقاعد، مكرسة نفسها القوة السياسية الأولى في الشارع العربي، وبدأت القوائم الملحقة بالحزب الحاكم في التراجع التدريجي حتى اختفت تماما بحلول ثمانينيات القرن الماضي، ليفسح المجال أمام تشكيلات سياسية عربية ذات برامج قومية ومدنية واضحة.

وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، شهد المجتمع العربي حالة من التعددية السياسية ونشأة أطر حركية جديدة خارج عباءة اليسار الشيوعي، ففي عام 1988، أعلن عبد الوهاب دراوشة استقالته من حزب العمل احتجاجا على سياسة قمع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأسس الحزب الديمقراطي العربي، وحصل الحزب على مقعد واحد في انتخابات عام 1988، قبل أن يرفع تمثيله إلى مقعدين في انتخابات عام 1992.

لعب الحزب الديمقراطي العربي دورا محوريا في إسناد حكومة إسحاق رابين من الخارج لتمرير اتفاقيات أوسلو بين عامي 1993 و1995، وتزامن ذلك مع صعود الحركة الإسلامية التي تأسست في أواخر السبعينيات بقيادة عبد الله نمر درويش، وانقسمت الحركة عام 1996 إلى جناحين، جناح شمالي بقيادة رائد صلاح، والذي قاطع الانتخابات الإسرائيلية حتى حظره عام 2015، وجناح جنوبي قرر خوض الانتخابات ودخل البرلمان عام 1996 تحت اسم القائمة العربية الموحدة وحصل حينها على 4 مقاعد.

في الوقت نفسه، شهد عام 1995 تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي بقيادة عزمي بشارة، ونادى التجمع بطرح فكري جديد يتلخص في تحويل إسرائيل إلى دولة جميع مواطنيها، وفك ارتباط المؤسسات بالصهيونية، وحقق أول تمثيل برلماني له عام 1999 بالتحالف مع الحركة العربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي قبل أن يخوض الانتخابات بشكل مستقل لاحقا.

وواجهت الأحزاب العربية تحديا وجوديا عام 2014، عندما أقر الكنيست تعديلا قانونيا رفع نسبة الحسم الانتخابية من 2% إلى 3.25%، بهدف إبعاد الأحزاب العربية الصغيرة عن البرلمان، وأدى هذا التحدي إلى اندماج تاريخي بين كافة القوى السياسية الفاعلة، حيث تم إعلان تأسيس القائمة المشتركة في فبراير 2015.

وضمت القائمة المشتركة 4 أطراف رئيسية هي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والقائمة العربية الموحدة، والحركة العربية للتغيير، وحققت القائمة في انتخابات مارس 2015 نجاحا غير مسبوق وحصلت على 13 مقعدا بفضل نسبة مشاركة عربية تجاوزت 65%، لتصبح ثالث أكبر كتلة نيابية في الكنيست.

واستمرت تجربة القائمة المشتركة وسط تجاذبات واختلافات أيديولوجية، لكنها بلغت ذروتها الانتخابية في انتخابات مارس 2020، عندما حصدت القائمة المشتركة بقيادة أيمن عودة 15 مقعدا برلمانيا بعد حصولها على أكثر من 580 ألف صوت، جعل ذلك الكتلة العربية قوة مرشحة للعب دور كتلة مانعة أمام تشكيل الحكومات الإسرائيلية اليمينية.

لم تستمر وحدة القائمة المشتركة طويلا بسبب تباين الرؤى حول كيفية التعامل مع المؤسسة الصهيونية، وانفصلت القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس عام 2021، متبنية نهجا براجماتيا يركز على تحقيق المطالب المدنية والمعيشية والاعتراف بالقرى غير المعترف بها، وتغليب المكتسبات الاجتماعية على الخطاب القومي التقليدي.

توج هذا النهج بدخول القائمة العربية الموحدة إلى الائتلاف الحكومي الإسرائيلي برئاسة نفتالي بينيت ويائير لبيد عام 2021، لتصبح أول قائمة عربية تشارك رسميا في ائتلاف حكومي، وانتزعت اتفاقات بميزانيات تجاوزت 30 مليار شيكل مخصصة للتطوير الاقتصادي ومكافحة الجريمة في المجتمع العربي.

ومع تعاقب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد الوعي السياسي لدى فلسطينيي الداخل بأهمية صوتهم الانتخابي لمواجهة سياسات التهميش والتطرف اليميني، ارتفعت نسبة المشاركة في الشارع العربي بشكل ملحوظ، ونجحت الأحزاب والقوائم العربية عبر تحالفاتها المختلفة وتوزيع أدوارها بين الخط الخدمي والخط القومي واليساري في رفع رصيدها البرلماني ليصل إلى 19 مقعدا، موزعة بين تشكيلين رئيسيين، حيث نال تحالف القائمة المشتركة، برئاسة يوسف جبارين، 12 مقعدا، بينما حصلت القائمة العربية الموحدة "رعَم" برئاسة منصور عباس على 7 مقاعد.

ويمثل هذا الرقم أعلى مستوى تمثيل عددي وسياسي لعرب الداخل المحتل في تاريخ الكنيست، ولم يعد النواب العرب مجرد أرقام في معارضة هامشية، بل تحولوا إلى الرقم الصعب في معادلة الائتلافات والكتل المانعة، وأصبحوا قادرين على فرض الأجندة المدنية والقومية للمجتمع العربي.

تم نسخ الرابط