الصناعة المصرية على طريق التوسع العالمي
48.5 مليار دولار صادرات غير بترولية في 2025 و100 مليار مستهدف 2030
لم تعد طموحات الصناعة المصرية وصادرات غير بترولية تتوقف عند حدود تلبية احتياجات السوق المحلية أو تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، وإنما امتدت إلى بناء قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، والتحول إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير، مستندة إلى استراتيجية تستهدف تعميق التصنيع المحلي، وزيادة المكون المحلي في المنتجات، وتطوير الصناعات المغذية، وجذب الاستثمارات المرتبطة بنقل التكنولوجيا والخبرات، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام المنتج المصري للوصول إلى الأسواق الخارجية.
وتكشف مؤشرات التجارة الخارجية عن تحسن ملحوظ في أداء الصادرات المصرية وصادرات غير بترولية، حيث سجلت الصادرات غير البترولية نحو 48 مليارًا و567 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل 41 مليارًا و507 ملايين دولار خلال عام 2024، بنسبة نمو بلغت 17%، وفق التقرير الذي استعرضه المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، في يناير 2026.
ولم يقتصر التحسن على الصادرات وصادرات غير بترولية، إذ تراجع عجز الميزان التجاري المصري بنسبة 9% خلال العام نفسه، ليسجل نحو 34 مليارًا و447 مليون دولار، مقابل 37 مليارًا و869 مليون دولار في 2024، في مؤشر يعكس تحسنًا في أداء التجارة الخارجية، رغم استمرار ارتفاع قيمة الواردات التي سجلت نحو 83 مليارًا و14 مليون دولار.
100 مليار دولار.. طموح الصناعة المصرية في 2030
وتأتي هذه المؤشرات في وقت تستهدف فيه الدولة الوصول صادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030، من خلال الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2026–2030، التي تم إعدادها بالشراكة مع القطاع الخاص، وتستهدف بناء قاعدة صناعية متكاملة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وأكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أن تحديث استراتيجية الصناعة المصرية يستهدف جذب الاستثمارات العالمية المرتبطة بنقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية و صادرات غير بترولية، وتعزيز التكامل مع سلاسل الإنتاج الدولية، بما يدعم مكانة مصر كمركز صناعي وتصديري إقليمي.
وأوضح الوزير أن مستهدفات الصادرات لا تتعلق بمجرد زيادة قيمة المنتجات المصدرة، وإنما ترتبط أيضًا بتحسين الميزان التجاري للقطاعات الصناعية وصادرات غير بترولية، وزيادة المكون المحلي، والتركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى للاقتصاد المصري.
وفي هذا الإطار، تتبنى الوزارة ما وصفته بقاعدة 80/20، من خلال التركيز على 20% من القطاعات والفرص الصناعية القادرة على تحقيق نحو 80% من الأثر الاقتصادي المستهدف في مجالات الصادرات والقيمة المضافة والتشغيل.
مواد البناء والكيماويات والغذاء تقود الصادرات
وتكشف بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية عن تنوع هيكل الصادرات المصرية وصادرات غير بترولية، حيث تصدر قطاع مواد البناء قائمة القطاعات التصديرية بقيمة بلغت 14 مليارًا و880 مليون دولار خلال 2025، يليه قطاع المنتجات الكيماوية والأسمدة بقيمة 9 مليارات و419 مليون دولار، ثم الصناعات الغذائية بقيمة 6 مليارات و803 ملايين دولار.
وسجلت صادرات السلع الهندسية والإلكترونية نحو 6 مليارات و468 مليون دولار، بينما بلغت صادرات الملابس الجاهزة 3 مليارات و394 مليون دولار، والغزل والمنسوجات نحو مليار و167 مليون دولار، والصناعات الطبية نحو 996 مليون دولار.
وتعكس هذه الأرقام وجود قاعدة تصديرية متنوعة، يمكن أن تمثل نقطة انطلاق للتوسع في التصنيع وتعميق القيمة المضافة، خاصة في القطاعات التي تمتلك فرصًا لزيادة الاعتماد على المكونات المحلية وتطوير المنتجات بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الأولية أو المنتجات محدودة التصنيع.
وفي إطار تحديد القطاعات القادرة على تحقيق أكبر عائد اقتصادي، حددت الاستراتيجية الصناعية الوطنية 7 صناعات ذات أولوية، تشمل الملابس الجاهزة والمنسوجات، والصناعات الغذائية والدوائية، والسيارات، والمعدات الكهربائية والهندسية، والإلكترونيات.
كما تشمل الخريطة الصناعية الصناعات الاستراتيجية مثل الحديد والصلب والكيماويات والأسمدة ومواد البناء، إلى جانب الصناعات التمكينية المرتبطة بمعدات الطاقة المتجددة وترشيد المياه والماكينات والروبوتات الصناعية.
وتستهدف هذه الخريطة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي تمتلك فرصًا أكبر للنمو والتصدير، مع تطوير الصناعات المغذية والتكميلية التي تمثل حلقة أساسية في بناء سلاسل إنتاج محلية متكاملة.
ويمثل توطين الصناعات المغذية أحد أهم المحاور التي تراهن عليها الدولة لزيادة المكون المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، وهو ما ظهر في التوجهات الرسمية المتعلقة بصناعة السيارات والصلب والسكك الحديدية.
وخلال اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير الصناعة في 6 يوليو 2026، جرى استعراض خطط تعميق التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا في قطاع السيارات، حيث أكد الرئيس أهمية توطين صناعة السيارات ومكوناتها، والتوسع في إنتاج المركبات الكهربائية، بما يسهم في بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
كما شدد على أهمية توطين الصناعات المغذية للصناعات الثقيلة، باعتبارها أحد المحاور الرئيسية لدعم سلاسل الإمداد المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
وفي نموذج عملي لهذا التوجه، أعلن وزير الصناعة في يونيو 2026 عن تعاون يستهدف تطوير 7 موردين محليين في المرحلة الأولى لتوريد مكونات لصناعة عربات القطارات والمترو، بالتعاون مع الشركة الوطنية لصناعة السكك الحديدية «نيرك»، وفق المواصفة الدولية لصناعة السكك الحديدية.
ويمثل هذا النموذج خطوة نحو توسيع قاعدة الشركات المصرية القادرة على الدخول في سلاسل توريد الصناعات الكبرى، بدلًا من الاعتماد الكامل على استيراد المكونات من الخارج.
وفي سياق تعزيز التمويل الموجه للقطاع الصناعي، شهد سبتمبر 2026 الإعلان عن تأسيس صندوق فرعي للاستثمار الصناعي برأسمال مستهدف يبلغ 10 مليارات جنيه، وبقيمة مدفوعة مبدئية 500 مليون جنيه، بهدف دعم الشركات الصناعية الموجهة للتصدير، وتعميق القدرات الإنتاجية، وزيادة المكون المحلي.
ويستهدف الصندوق العمل من خلال شراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الاستثمارية، سواء عبر الاستثمار المباشر في الشركات أو بصورة غير مباشرة من خلال صناديق استثمار صناعية جديدة، إلى جانب إمكانية الاستثمار في الأصول والأراضي والمنشآت الصناعية الداعمة لأهدافه.
وتأتي هذه الخطوة في إطار توفير أدوات تمويل جديدة تساعد الشركات على التوسع في الإنتاج، وتطوير خطوط التصنيع، وزيادة قدرتها على تلبية احتياجات الأسواق الخارجية.
ولا تنفصل خطط التوسع الصناعي عن ملف الطاقة، باعتبارها أحد العناصر الرئيسية المؤثرة في تكلفة الإنتاج والقدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
وفي هذا الإطار، كشفت رئاسة الجمهورية عن العمل على تنفيذ مبادرة «شمس الصناعة»، التي تستهدف تركيب محطات للطاقة الشمسية على أسطح نحو 7 آلاف مصنع بمختلف المحافظات، بما يوسع استخدام الطاقة المتجددة داخل القطاع الصناعي، ويساعد على تحسين كفاءة التشغيل وخفض الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.
كما تتضمن استراتيجية الصناعة تطوير خريطة للطاقة الصناعية بالتنسيق مع الجهات المعنية، لتحديد الاحتياجات الجغرافية للمصانع والمشروعات الجديدة، وضمان توافر مصادر الطاقة اللازمة للتوسع الإنتاجي.
وتتطلب هذه التحركات استكمال تطوير البنية الأساسية للمناطق الصناعية، وتسهيل إجراءات إقامة المشروعات، وإعادة تشغيل المصانع المتعثرة، إلى جانب دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتأهيل العمالة الفنية، باعتبارها عناصر أساسية لنجاح عملية التوسع الصناعي.
وتشمل الاستراتيجية برامج لتطوير الخريطة الصناعية، والقرية المنتجة، والمصانع المتعثرة، والتشريعات واللوائح، والتطوير المؤسسي لوزارة الصناعة، وتطوير الموردين المحليين، وتنمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
كما وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة ربط تنفيذ برامج الاستراتيجية بتوقيتات زمنية واضحة ومؤشرات أداء محددة، مع إزالة العقبات أمام المستثمرين، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، والاهتمام بالتدريب المهني والتحول الرقمي.
وفي المحصلة، تقف الصناعة المصرية أمام مرحلة تستهدف الانتقال من الاعتماد على استيراد المكونات وتجميع المنتجات إلى توسيع قاعدة التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة، بما يعزز قدرة المنتج المصري على النفاذ إلى الأسواق العالمية.
وبين صادرات غير بترولية تجاوزت 48.5 مليار دولار في 2025، ومستهدف يصل إلى 100 مليار دولار بحلول 2030، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل الخطط والاستثمارات إلى طاقات إنتاجية جديدة، وموردين محليين أكثر قدرة على المنافسة، ومنتجات مصرية تمتلك فرصًا أكبر في سلاسل الإنتاج والتجارة الدولية.
