تلاعب هندسي وتزوير الإحداثيات
كواليس إحالة 3 مسؤولين بـ«جهينة» إلى النيابة.. ومحامي المتهمين: «إساءة لاستعمال السلطة»
تمثل التعديات على الرقعة الزراعية في مصر أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن القومي الغذائي والاقتصادي، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي إلى فقدان مصر مئات الآلاف من أفدنة الأراضي الزراعية الخصبة خلال العقود الأخيرة نتيجة البناء العشوائي والمخالف، ولذلك، جاء قرار اللواء طارق راشد، محافظ سوهاج، بإحالة 3 من العاملين بالوحدة المحلية لمركز ومدينة جهينة وإدارة حماية الأراضي بالإدارة الزراعية بجهينة إلى النيابة، ليمثل خطوة جادة نحو مواجهة الفساد الإداري الذي يسهل هذه التعديات، كما كشف عن آليات دقيقة تعتمدها شبكات التلاعب لتمرير مخالفات البناء خارج الأطر القانونية المنظمة.
وكشف التقرير الرقابي الذي أعدته اللجان المختصة في محافظة سوهاج، عن وجود شبهة تواطؤ مؤسسي داخل الجهات المحلية المعنية بحماية الأراضي في جهينة، حيث تمحورت المخالفات حول إجراء معاينات وهمية غير مطابقة للحقيقة الجغرافية، كما عمد المتهمون إلى إثبات إحداثيات مغايرة تماما للموقع الفعلي للقطعة محل الفحص.
وهدفت هذه الممارسات إلى تضليل الجهات الرقابية وإظهار أراضٍ زراعية بحتة على خلاف طبيعتها، عبر تصويرها باعتبارها مستوفية للاشتراطات القانونية اللازمة للبناء، وهو ما يمثل تحايلا صريحا على قانون التخطيط العمراني والقوانين الخاصة بحماية الرقعة الزراعية.
تزوير المعاينات الجغرافية
ولم تقتصر المخالفات المرصدة على تزوير المعاينات الجغرافية فحسب، بل امتدت لتشمل إساءة استخدام السلطة الإدارية وتمرير منافع غير مشروعة لبعض المواطنين، وأوضح التقرير الرقابي أن المتورطين مكنوا أحد المواطنين من الاستفادة من تراخيص الهدم والإحلال والتجديد لإقامة منشأة في موقع مخالف تماما للموقع المرخص به رسميا، وهذا التلاعب المنهجي في المستندات والترخيص المزدوج، يعكس غياب الرقابة الداخلية، كما بسلط الضوء على خطورة استغلال الثغرات البيروقراطية لتمرير منشآت أسمنتية جديدة على حساب الأراضي الخصبة، ما يهدد بتآكل الموارد الزراعية المحدودة في صعيد مصر.
وأكد اللواء طارق راشد، محافظ سوهاج، أن المحافظة لن تتهاون مطلقا مع أي شبهة فساد مالي أو إداري، ولن تسمح بالتستر على أي تجاوزات تمس حقوق الدولة أو تهدر الرقعة الزراعية، وأشار إلى أن الأجهزة الرقابية بالمحافظة تواصل أعمال الفحص والمتابعة الميدانية على مدار الساعة لرصد أي مخالفات بناء جديدة أو حالات تقاعس وظيفي، مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية الصارمة حيال كل من يثبت تورطه في تسهيل هذه الجرائم. وتؤكد هذه التوجهات التزام الإجماع الحكومي بتطبيق القانون بحزم وعدالة ودون استثناءات، صونا لأملاك الدولة والمال العام، وحماية لحقوق الأجيال القادمة في بيئة زراعية مستدامة وأمن غذائي مستقر.
على جانب آخر، كشف المستشار نادر أبو خبر، المحامي، حقيقة ما تم تداوله حول خبر إحالة ثلاثة من العاملين بالوحدة المحلية وحماية الأراضي بجهينة إلى النيابة العامة بتهمة التلاعب وتسهيل التعدي على الرقعة الزراعية.
وقال "أبو خبر": "نظراً لعلمنا التام بالواقعة وبأشخاص المحالين، وبناءً على طلبهم، نعرب عن تولينا الدفاع عنهم، وهم ليسوا متهمين حتى الآن، فكل متهم بريء حتى تثبت إدانته".
وأوضح أن ما تم إجراؤه مع المحالين غير قانوني بالمرة، وخصوصاً أنه تم احتجازهم أثناء التحقيق الإداري معهم بالشؤون القانونية داخل ديوان محافظة سوهاج، والاتصال بأمن المديرية وترحيلهم مقيدي الحرية حتى ديوان مركز جهينة.
وأكد أن هذا إجراء تعسفي وإساءة لاستعمال السلطة؛ حيث إن المحافظ ليس له صفة مأمور الضبط القضائي كي يتخذ هذا الإجراء، وكان لابد أن يصدر به قرار من هيئة النيابة العامة بالضبط والإحضار للمحالين. ويأتي هذا الإجراء أيضاً بعد تحقيق النيابة العامة تحقيقاً قضائياً في ذات الموضوع. كما أن القانون حدد ورسم الإجراء الواجب اتخاذه إذا تم التحقيق مع الموظف العام من قبل جهة عمله أو بواسطة الشؤون القانونية لها، وتبين لجهة التحقيق الإداري إدانة المجرى التحقيق معه، فلا تملك جهة التحقيق الإداري إلا إحالة الأوراق للنيابة العامة أو النيابة الإدارية حسب ما إذا كانت الواقعة تشكل مخالفة إدارية أو جنائية.
ولفت إلى أن ما تم مع المحالين عقب انتهاء التحقيق معهم هو انتهاك صارخ للقانون وقواعده، ولأول مرة يُحال الموظف عقب التحقيق معه من الشؤون القانونية لجهة العمل، لتوم هذه الجهة بطلب الشرطة للموظف بعد انتهاء التحقيق، فهذا أمر لم يحدث من قبل.
وشدد محامي المحالين على أن النيابة العامة هي الأمينة الوحيدة على الدعوى الجنائية وممثلة الشعب، فهي وحدها صاحبة القرار بعد التحقيق مع المحالين فيما تتخذه بما يتفق وصحيح القانون من قرارات. كما أن المحالين الثلاثة على درجة واحدة من الأخلاق وحسن السمعة، والجهة الإدارية ليست سلطة اتهام، بل سلطة تحقيق إداري فقط وإنزال جزاء إداري يتناسب مع الخطأ.
ولفت إلى أن مجمل الاتهامات من تواطؤ وتلاعب في إجراءات المعاينات وإحداثيات جغرافية غير مطابقة للواقع، سيكون مردودها أمام جهة التحقيق، وهي النيابة العامة صباح غدٍ، معرباً عن تقديره الكامل لجميع أجهزة الدولة من جهات وهيئات، ومثمناً مجهوداتها حول الكشف عن أي مخالفات بأنواعها، وما تبذله نحو ما تمارسه من رقابة وصرامة في الجزاء، وما تتخذه من إجراء نحو تحقيق الردع العام والخاص.









