و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

استمرار سحابة الليل الخانقة

«إنبعاثات العكرشة السامة» تعبر حدود الخانكة وأبوزعبل وتهدد سكان مدينة العبور

موقع الصفحة الأولى

لم يعد كابوس التلوث البيئي المنبعث من منطقة العكرشة الصناعية بمركز الخانكة مقتصرا على المناطق المحيطة بها مباشرة في أبو زعبل؛ بل تخطت الأزمة كافة الحدود الجغرافية لتجتاح مدينة العبور، مهددة الاستثمارات العقارية والصحة العامة لآلاف الأسر التي فرت من زحام العاصمة.
فقد استيقظ سكان أحياء مدينة العبور المختلفة مؤخراً على وقع روائح كريهة ونفاذة، مصحوبة بأدخنة كثيفة وغيوم ضبابية سوداء تحجب الرؤية في الساعات المتأخرة من الليل والصباح الباكر، مما أثار حالة من الذعر والغضب الشعبي، وسط تساؤلات حائرة حول غياب الرقابة البيئية وصمت الجهات التنفيذية عن هذه الكارثة العابرة للمراكز والمدن.
وتمثل منطقة العكرشة الصناعية بؤرة الأزمة حيث تعاني المنطقة من عشوائية مفرطة وتضم المئات من المصانع والورش غير المرخصة التي تعمل بعيداً عن أعين القانون. وتأتي في مقدمة المتهمين مصانع وورش فرم وتدوير الريش ومخلفات المجازر والدواجن لإنتاج مركزات الأعلاف؛ حيث تنبعث من هذه المنشآت روائح عضوية كريهة لا يمكن للأنف البشري تحملها. 
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تنضم إليها المسابك العشوائية والمحارق المخالفة التي تعتمد على حرق الإطارات والمواد البلاستيكية السامة كوقود رخيص . وتتعمد هذه الورش والمنشآت على تشغيل محارقها بكامل طاقتها بعد منتصف الليل وحتى الساعات الأولى من الصباح مستغلة فترات سكون الرياح وكذلك غياب الرقابة البيئية، مما يؤدي إلى تراكم السحب الدخانية السامة وانتقالها مع التيارات الهوائية إلى مناطق وقري الخانكة وأبوزعبل وكذلك مدينة العبور والمناطق السكنية المجاورة.

مخطط تطوير العكرشة

وعلى الصعيد الصحي، يؤكد أهالي الخانكة ومدينة العبور أن إغلاق النوافذ بالكامل والاستعانة بمعطرات الجو لم يعد يجدي نفعاً في منع تسرب تلك الروائح النفاذة، وياتى ذلك بالتزامن مع رصد المستشفيات والعيادات الطبية في المنطقة قفزة نوعية في أعداد المترددين عليها، خاصة من الأطفال وكبار السن، والذين يعانون من نوبات ربو شعبي حادة، وحساسية صدرية مزمنة، والتهابات شديدة في العيون والجيوب الأنفية نتيجة استنشاق هذه الغازات الخانقة. 
ويروي بعض الأهالي بمرارة كيف تحولت حياتهم إلى جحيم مستمر، حيث باتت أبسط حقوقهم في تنفس هواء نظيف أمرا بعيد المنال، وسط مخاطر صحية بعيدة المدى قد تصل إلى الإصابة بالأمراض السرطانية نتيجة السموم المنبعثة.
هذا التصعيد البيئي الخطير دفع بالملف إلى ساحة مجلس النواب، حيث شهدت أروقة البرلمان تحركات عاجلة عبر طلبات إحاطة تقدم بها نواب محافظة القليوبية لبحث الكارثة ومساءلة مسؤولي وزارة البيئة والتنمية المحلية. 
وأسفرت الضغوط البرلمانية عن إمهال الجهات التنفيذية مدة 30 يوماً لإجراء حصر شامل للمنشآت المخالفة بمنظقة العكرشة وإعداد خطة عاجلة لإنهاء الأزمة. بالتوازي مع ذلك، شنت وزارة التنمية المحلية والبيئة بالتنسيق مع محافظة القليوبية حملات مداهمة مفاجئة، أسفرت عن إغلاق وتشميع عدد من مصانع فرم الريش ومخلفات المجازر والمخازن العشوائية. 
ورغم هذه المسكنات المؤقتة، يطالب المواطنون بقرارات حاسمة تقضي بنقل هذه الأنشطة الملوثة تماماً خارج الحيز السكني، وتسريع مخطط تحويل العكرشة إلى منطقة صناعية رسمية وصديقة للبيئة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بالقضاء على هذه البؤرة العشوائية.

تم نسخ الرابط