وقود المستقبل في عين العاصفة
طلب إحاطة بإعادة تقييم محفظة مشروعات الهيدروجين الأخضر: مليارات على الورق
أثار التساؤل الذي طرحته النائبة مروة بُريص، عضو مجلس النواب، حول جدوى مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر نقاشاً واسعاً تحت القبة وخارجها؛ حيث دعت البرلمانية إلى إعادة تقييم الجدوى الاقتصادية والتنافسية الدولية لهذه المشروعات في ظل التغيرات المتسارعة بالسوق العالمية.
تقدمت النائبة مروة بُريص عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة بشأن ضرورة إعادة تقييم الجدوى الاقتصادية والتنافسية الدولية لمشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر، في ضوء التحولات التي يشهدها السوق العالمي، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتمويل، وتباطؤ الطلب، وتأجيل وإلغاء عدد من المشروعات الدولية.
وأوضحت أن مصر تبنت استراتيجية طموحة للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، ووقعت اتفاقيات ومذكرات تفاهم باستثمارات معلنة ضخمة، إلا أن القيمة الاستثمارية المعلنة لا تعني بالضرورة تدفقات رأسمالية فعلية، ولا تعكس حجم المشروعات التي وصلت إلى قرارات الاستثمار النهائية.
وأشارت إلى أن اجتماع المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر الأخير، وما تضمنه من مد بعض مذكرات التفاهم لمدة عام إضافي، يثير تساؤلات مشروعة حول معايير تقييم تقدم المشروعات، ومدى ارتباط استمرار تخصيص الأراضي والتسهيلات الاستثمارية بالتزامات تنفيذية وتمويلية واضحة.
وأكدت النائبة أن مشروعات الهيدروجين الأخضر لا تعتمد على التمويل الخاص وحده، وإنما تحتاج إلى موارد وطنية كبيرة تشمل الأراضي والطاقة المتجددة والمياه والبنية التحتية وشبكات الكهرباء، وهو ما يستوجب حساب التكلفة الاقتصادية الكاملة وتكلفة الفرصة البديلة لهذه الموارد، ومقارنتها بالعوائد التصديرية والقيمة المضافة المتوقعة للاقتصاد المصري.
وشددت بُريص على أن التغيرات العالمية تفرض مراجعة الافتراضات التي قامت عليها الاستراتيجية الوطنية، خاصة تقديرات الطلب الخارجي والأسعار التنافسية وتكاليف التمويل، ومدى قدرة المنتج المصري على المنافسة في الأسواق الدولية وتأمين اتفاقيات شراء ملزمة طويلة الأجل.
وطالبت الحكومة بتقديم تقييم محدث وشامل لمحفظة مشروعات الهيدروجين الأخضر، يوضح حجم الاستثمارات التي دخلت حيز التنفيذ بالفعل، والمشروعات التي وصلت إلى الإغلاق المالي، والقدرات المتوقع تشغيلها تجارياً، وحجم الالتزامات الحكومية المباشرة والمحتملة، بما في ذلك التسهيلات والضمانات والبنية التحتية.
مساهمة الطاقة المتجددة
وتسعى مصر بخطى للتحول إلى مركز إقليمي وعالمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، مستغلة موقعها الجغرافي الاستراتيجي وبنيتها التحتية المتطورة. وتتجسد هذه المساعي في الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر التي تستهدف الاستحواذ على حصة تتراوح بين 5% إلى 8% من السوق العالمية بحلول عام 2040، مع خطة لإنتاج نحو 5.8 مليون طن سنوياً. وتتكامل هذه الرؤية مع استراتيجية الطاقة المتكاملة والمستدامة التي تطمح من خلالها الدولة إلى رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء القومي لتتجاوز 42%، مما يوفر القاعدة الأساسية لتشغيل المحللات الكهربائية اللازمة لإنتاج الوقود الأخضر.
وعلى الصعيد الميداني، تشهد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس طفرة في توقيع الاتفاقيات؛ إذ تستقطب النسبة الأكبر من المشروعات المقترحة بطاقة إجمالية تتخطى 10 جيجاوات. ويأتي في مقدمة المشروعات القائمة مشروع محطة العين السخنة الذي يضم تحالفاً دولياً ومحلياً بقيادة شركة "سكاتك" النرويجية، و"فيرتيجلوب"، وأوراسكوم للإنشاءات، وصندوق مصر السيادي، والذي يُعد نموذجاً عملياً لبدء الإنتاج الفعلي وتصدير الأمونيا الخضراء.
وبالتوازي مع ذلك، تتدفق الشراكات مع قوى طاقة عالمية مثل بي بي البريطانية ومصدر الإماراتية، فضلاً عن تحالفات هندية وألمانية لتطوير منشآت عملاقة في جرجوب وشرق بورسعيد باستثمارات تقديرية تصل إلى عشرات المليارات.
ولتحويل هذه التفاهمات إلى مشاريع إنتاجية، أقرت الحكومة حزمة غير مسبوقة من الحوافز والتسهيلات القانونية عبر قانون خاص بالهيدروجين الأخضر ومشتقاته. تشمل هذه المزايا منح حافز استثماري نقدي يصل إلى 55% من قيمة الضريبة المدفوعة، والإعفاء التام من ضريبة القيمة المضافة على المعدات والآلات والمواد الخام المستوردة، فضلاً عن تطبيق ضريبة صفرية على الصادرات. كما استحدثت الدولة نظام الرخصة الذهبية التي تمنح المستثمر موافقة واحدة جامعة لتأسيس المشروع وتشغيله وإدارته لتجاوز العقبات البيروقراطية، بجانب تأسيس المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر لتوحيد جهود التنسيق بين الوزارات المختلفة.
ومع ذلك، تواجه هذه الطموحات بيئة اقتصادية عالمية معقدة وضعت الاستراتيجية المصرية أمام اختبار حقيقي؛ فحجم مذكرات التفاهم الضخم لا يعكس بالضرورة وصول المشروعات إلى استثمارات نهائية.
