و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

وصلنا إلى أن الصهيونية ما قامت وما ظهرت إلا في زمن مزاعم «الهولوكست» ومؤسسها هو «هرتزل»، والمتعمق في مفهوم الصهيونية مع الواقع التاريخي يتأكد من أن الصهيونية لم تكن الحل الأمثل لمشكلة اليهود، كما يرى بذلك فريق عريض من اليهود، والواقع التاريخي يؤكد أن اليهود قد انقسموا فكريا أمام مشكلتهم، فقد وجد فريق أن عدم استيعاب أوربا لهم عامة، والألمان خاصة هو أصل المشكلة.

 ولو ساد الاستيعاب لاستقرت الأمور، وفريق من اليهود آخر، ركزوا همهم في مفهوم الهجرة عامة دون تحديد فلسطين، ورأى فريق ثالث أن تغيير الوضع الاجتماعي بصورة مرضية وبشكل دائم وفي إطار نظام اجتماعي قائم على الاشتراكية والتعاون، لضمان المساواة بين اليهود وأوربا.

فالصهيونية التي اخترعها «هرتزل» لم تخلد أبداً إلى عقول الغرب، ولا حتى اليهود أنفسهم، لأنها لم تكن في دينهم ولا أفكارهم مطلقاً، وإنما ألبسها الخبثاء رداء الدين، وجعلوها من مكونتها كعقيدة دائمة فضلاً عن النصوص وتأويلها. 

وتطورت الفكرة الصهيونية حتى بلغت اقتحام المناهج الأيديولوجية، وظهرت في الأفاق الصهيونية المسيحية، وأول ما ظهر أصحاب هذا الاتجاه كان في انجلترا، حيث ذهب تيار أصولي للعقيدة المسيحية، اتسم بـالتشدد إذ يرى معتنقوه تطبيق الإنجيل العهد القديم حرفيا، دون النظر إلى مقصد النص، والصهيونية المسيحية ترى أن اليهود شعب الله المختار، ولأجل ذلك منح الله شعبه أرض كنعان - فلسطين حالياً - لتكون ملكه للأبد، وأنها لا تزال من حق الشعب اليهودي.

وقد تجلت هذه العقيدة في انجلترا في القرن التاسع عشر كفكرة محدودة ثم تضخمت حتى بلغت ألمانيا في صورة احترام السامية، وسارت حتى بلغت الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت الدول الثلاث انجلترا، وألمانيا، وأمريكا هي الدول التي أمنت بالصهيونية المسيحية والمؤيدة لإسرائيل على طول الحياة مئة بالمئة وفي كل مواقفها. 

وحين نعمل الفكر في العامل المشترك بين هذه الدول الثلاث نجدها جميعا على المذهب الإنجيلي البروتستانتي، والبروتستانتية ظهرت على يد القس مارتن لوثر في أوائل القرن السادس عشر عام 1517م على التقريب، اعتراضاً على فساد الكنيسة الكاثوليكية من جراء فضيحة صكوك الغفران.

الصهيونية المسيحية

وبالرغم من قدم الاتجاه البروتستانتي هذا إلا أن مسألة الصهيونية المسيحية قد ظهرت مع تحركات «هرتزل»، لكنها لم تكن مرئية ولم يطرحها أحد كفكرة تواكب حركة هرتزل، لكنها نمت شيئاً فشيئاً حتى بدأت أفكار دعم اليهود بين المسيحيين في انجلترا وألمانيا وأمريكا بغلاف ديني مفاده حتمية تجمع اليهود في فلسطين كشرط لازم لأجل عودة السيد المسيح للمرة الثانية.

وأصبح هذا التوجه العقدي في حيز إيمان الإنجيليين على يد القص جيري فالويل في أمريكا عام 1979م، ومنذ ذلك قد أخذت شكلاً دينياً رسمياً يشكل عقيدة الأجيال الإنجيلية، وعزز قادة تلك العقيدة مسألة منح اليهود مكانة خاصة، وتلك المكانة ربطوها بالمجيء الثاني للسيد المسيح، وعقيدة الصهيونية المسيحية تحيا على انتظار المجيء الثاني للمسيح، ولكي يتحقق لا بد من تجمع اليهود في أرض كنعان، وذلك بالتحايل على النصوص، وبالطبع فإن الصهيونية المسيحية صناعة لها هدفها الأبعد.

 

وعندما استوطن اليهود الصفة الغربية عام 1967م واحتلوها، كان الداعم الأول لهم هم أنصار الصهيونية المسيحية، بعدما وجدوا اليهود حول القدس، يمرحون بنصرهم، ولم تخف الصهيونية المسيحية وجهها أو يخفت صوتها.

لقد كتب ستيفن سيزر الرئيس البريطاني لرابطة الكتاب المقدس الدولية: " لقد كان الصهاينة المتدينون على رأس الاحتلال غير الشرعي للأراضي الفلسطينية، والهجمات على المسلمين والمساجد والتوسع المنظم بالمستوطنات داخل الضفة الغربية " إن الرجل في الوقت الذي يعترف بأن الاحتلال اليهودي لفلسطين غير شرعي، لكنه يبارك هجماتهم على المسلمين وحرق مساجدهم، ويمدح المستوطنات وتوسعها. 

إننا لم نقرأ مقالاً واحداً ينتقد هذه الجماعة الأصولية المتعصبة التي ترحب بسفك الدماء بين المسلمين، لم نجد مقالاً حتى من الكاثوليك في العالم الذين لا يرضون على البروتستانتية ويعتبرونها مارقة عن المسيحية، ولا يرضون بالأحرى عن كل من يتفرع منها، ولم يصفها علمانيو أوربا أو حتى المعتدلين بأنها جماعة إرهابية يجب حظرها ومصادرة أموالها أو محاكمة أفرادها، بل إن أكثر من في أمريكا من أصحاب القرار يؤيدون هذه الجماعة، وعدد غير قليل ينتمي إليها ولا عزاء للعرب.

تم نسخ الرابط