لم يكن كل اليهود على قلب رجل واحد بشأن خطة هرتزل بتهجير اليهود من كل العالم إلى فلسطين، فقد اعترض الحاخامات اليهود الألمان على فكرة تجمع اليهود فى أرض فلسطين، وأعلنوا فى 1897م أن خطة هرتزل تخالف تعاليم التوراة، فاليهود – أصلا – مطلوب منهم الالتزام بخدمة الدول التى يقيمون فيها، وتجمعهم فى فلسطين ليس من الدين اليهودى فى شئ، ومن ثم فإن هرتزل هذا ليس على دين أما المزارعون اليهود والاقطاعيون فقد رأوا أن احتلالهم فلسطين مصرح به، وفريق ثالث من المشككين فى صحة ذلك .. لذلك فشلت مساعى اليهود فى لقاءاتهم مع المصرفى اليهودى روتشلد، فلم تتلاق آراء اليهود الدينية والعملية واختلفت كل أحزابهم، فقد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى .
أما هرتزل فقد اصطدم بهذه الآراء التى كشفت عن نياته المتداخلة والتى كان يهدف بها إلى مرامى أخرى وكلها بعيدة عن الدين، ولا دخل للتوراة بما كان يسعى إليه ووجد هرتزل أمامه طريقا مسدودا مع هؤلاء، فلجأ إلى فقراء اليهود، وطلابهم، وعقد معهم عددا من اللقاءات فى أماكن متفرقة فى البلد الواحد، فضلا عن لقاءات مماثلة فى بلاد أخرى فى أوربا الشرقية وبلاد الروس، ونجح فى الحصول على موافقة هذه الفئات، من جهة اخرى فإن هرتزل قد أسس اللوبى الذى يحقق مآربه على الصعيد الأوربى ورسيا، وهذا اللوبى كان له أشد أنواع الضغوط على بريطانيا الدولة الأولى فى العالم آنذاك لترعى الصهيونية، ومات هرتزل ، ولم ير النجاح الذى أحرزه هذا اللوبى، ولم يشهد وعد بلغور وزير خارجية بريطانيا بشأن تأسيس وطن قومى لليهود فى فلسطين .. وتولى حاييم وايزمان المسؤلية فى حياته جهود وأهداف هرتزل .
نستطيع القول أن هرتزل حين اختار فلسطين كان يزحم بنفسه وسط الامبريالية، يقرر لنفسه ما قرره الاستعمار الأوروبى من فرض الاحتلال على الشرق الأوسط فى ظل عدم اعترافهم بالدول العربية، لقد قسموا الشرق الأوسط – بلاد العرب – فى اتفاقية سايكس بيكو 1916، على أنفسهم دون أن يروا للعرب كيانا، وجاء هرتزل ليدخل بينهم ويختار فلسطين، ويزعمون بعدها أنها الأرض الفضاء التى ليس فيها احد!!، وهذا ما زعمته فيما بعد جولدا مائير سنة 1969 حين قالت :" أنا لا اعلم بوجود شعب فلسطينى".
تصريح ينصح بالتجاهل للعرب، وتحركت فى هذه الأونة هجرات يهودية إلى فلسطين متتابعة فى شكل استعمار مستتر، كانت السفن تتحرك من الموانى الأوربية مكدسة باليهود الفقراء والطلاب والمنبوذين، وتبحر لتلقى بهم على شواطى فلسطين بالمئات، وسرعان ما أصبح المهاجرون مستعمرين وقد صاحبت هذه الهجرة متغيرات فكرية مؤثرة، فاليهود أذاعوا فى أوربا ما حديث فى الهولوكست، وبالغوا فى قتلى اليهود فى ألمانيا على يد هتلر ونسجوا أكاذيب كثيرة حول هذه الموضوع الملفق حتى صدقوه وهم الكاذبين، وصدقه الأخرون، أوعلى الأقل لم يهتموا بحصر قتلى اليهود على يد هتلر، إذ أن أوربا جمعا قررت إلقاء بلوى اليهود على بلاد العرب !.
ولم يكن العرب قد فطنوا لمعنى السامية الذى انتشر فى أوربا ليحمى اليهود من اللمز والغمز السياسي، والتأكيد على ما تعرض له اليهود على يد الألمان .. وحان الوقت كى يدفع العرب المغيبون فاتورة اضطهاد أوربا لليهود، وأن يدخلوا فى فكرهم الإسلامى ثقافة السامية ويقدروا اليهود أصحاب الجنس السامى المتسامى، وحان الوقت أن يعوض العرب اليهود عما فقدوه فى ألمانيا، وأن يستقبلوا اليهود النازحين من أوربا برحابة صدر وطيب نفس!!، إنها قمة البجاحة الأوربية، وعفن النفوس .
وقد تبنى هذه الفكرة بالطبع الرئيس الأمريكى روزفلت، وأثناء عودته على المقاتلة الأمريكية كوينسي فى قناة السويس طلب لقاء العاهل السعودى الملك عبد العزيز فى 14 – فبراير 1945 ، الذى حضر بنفسه وسمعه من، روزفلت رجاء بضروة أن يسمح العرب بفتح فلسطين، ويستقبلوا اليهود، لأنهم تعرضوا لمذابح على يد الألمان، واضطهدتهم دول أوربا جمعاء، فرد عليه الملك بأدب أنه يفهم من كلام الرئيس أن الألمان هم المسؤلون عن تلك الفظائع وليس العرب، لذلك يتعين على الألمان وليس العرب دفع ثمن تلك الجرائم، وأضاف فى حزم " فلتمنحوا اليهود وعائلاتهم أفضل الأراضى وأحسن المنازل بالألمان" ولم يقتنع روزفلت بالطبع، وأضاف العاهل عبد العزيز آل سعود أنه:" يتعين على الجانى أن يدفع الثمن، لا على الشاهد البرئ".






