كان مكمن خطورة الصهيونية المسيحية في أنها دعمت التوجه السياسي اليهودي في سهمه الصهيوني !، لقد أثر هذا الاتجاه على آرثر بلفور الذي منح الوطن القومي لليهود في فلسطين بوصفه وزير الخارجية البريطاني الذي بيده تفويض بالأمر وبالفعل أصدر وعدا سنة 1917م يمنح اليهود أرض فلسطين يسكنوها، وشعب فلسطين ليقتلوه.
وفي سنة 1919م كتب آرثر بلفور يقول: " إننا فيما يخص فلسطين، لا نفكر في رغبات الشعب الحالي، إن القوى العظمى الأربع ملتزمة أمام الصهيونية، والحركة الصهيونية سواء كانت على صواب أو خطأ، في السراء والضراء، ملتزمة بتقاليد ترجع إلى مئات السنين سواء فيما يتعلق بالاحتياجات الملحة الآتية أو الآمال المستقبلية، لكل هذا أهمية قصوى لا مثيل لها مقارنة بالأمنيات والأحكام المسبقة لسبعمائة ألف عربي ممن يسكنون هذا البلد العتيق الآن".
وهكذا امتزج قرار بلفور سنة 1917م بصبغة دينية باطنية مصنعة، ومفتعلة، الأمر الذي يظهر إلى أي مدى استعان اليهود والصهيونية المسيحية بالدين ليدعم توجهه السياسي العدواني.
والراصدون للآراء التي تم تداولها على مدار القرن العشرين من بريطانيا حتى الولايات المتحدة سنجد أنها آراء ما قاله الأب جيري فالويل 1933 – 2007م من تأييد صريح لليهود، بل وكان بوقاً من أبواق التحريض على قيام اليهود بالهجرة إلى فلسطين، وانضم له عدد كبير من الأمريكان من أصحاب القرار.
وحين انتهت حرب 1967 وأحرز فيها اليهود مزيداً من الأرض، قاد الأب جيري فالويل حملة من التأييد ودعم إسرائيل، ربما طاف على كل الأصعدة ليدعم اليهود ويعلن رؤية الصهيونية المسيحية في بقاء اليهود ودعمهم حتى جعل كل من تحت يده يتبنى رؤيته، وكون منهم فريقاً لاهوتياً لا يتحدث في المحافل إلا بدعم إسرائيل.
وأمام تلك الجهود قام رئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجين عام 1979م بتخصيص طائرة وضعها تحت طلبه وتصرفه المطلق، ليس هذا فحسب، بل منحته إسرائيل أعلى جائزة لديها من منظمة «جابوتنسكي» للأعمال المتميزة في الآداب والبحث، والدراسات الأكاديمية المؤثرة، وبالطبع جعلوا جائزة فلاديمير جابوتنسكي لمن يقدم خدمات جلية لإسرائيل.
وعندما زار بنيامين نتنياهو الولايات المتحدة الأمريكية في 1998م قابل الأب جيري فالويل ورجال وحدة الائتلاف الوطني من أجل إسرائيل وأثنى كثيراً على جهودهم، وبحث معهم دورهم في المرحلة القادمة.
الولاء السياسي الأبدي
ولم تكن جهود الصهيونية المسيحية مخفية عن أحد، بل كانت تدار بكل ثقة دون خوف أو تراجع، لقد دعا بنيامين نتنياهو سبعة عشر من الصهاينة المسيحيين في أمريكا لزيارة إسرائيل، وبعد انتهاء إقامتهم وقع المشاركون فيه على بيان أقسموا فيه على الولاء السياسي الأبدي لإسرائيل، بل وأيد المبعوثون الزوار حتمية التوسع الإسرائيلي في بناء المستوطنات بـالضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، وقاموا بطبيعة الحال بدعوة مباشرة لقيام القدس الموحدة تحت السيادة الإسرائيلية، وهكذا بينت جماعة الصهاينة المسيحيين برجال دينها وأعضائها ما يعزز كيان إسرائيل .
وكتب العالم الأمريكي دونالد واجنر أن كل نقطة تكلمت فيها جماعة الصهاينة المسيحيين قد استدلوا عليها باستشهادات من التوراة بلغة تأويلية تحمل حالة من الغل.
وتحركات جماعة الصهاينة المسيحيين كرست جهودها من سنة 1960م لتسيطر على موقع تليفزيوني، تولى فيه الواعظ اللاهوتي روبرتسون منهج التحريض، وقد أسس هذا اللاهوتي شبكة البث المسيحية في العام نفسه ووصل البث فيها إلى 71 لغة ولهجة في 180 دولة.
على جانب أخر دعمت الجماعة حركة تأليف مكثفة تحمل أفكار بقاء إسرائيل وتأييدها بنصوص دينية من شأنها خدمة أهدافها.
وفي ظل هذه التحركات الفعالة، ترى ماذا كان يقدم العرب لخدمة قضيتهم وهي قضية دينية في المقام الأول ترى ماذا يفعلون؟!








