و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

آلاف القضايا تتكدس داخل محاكم الأسرة، وصراعات تمتد لسنوات، واستغاثات لا تنتهي، بينما يدفع الأطفال الثمن الأكبر. فحين تتحول الخلافات الأسرية إلى نزاعات قانونية طويلة، لا تكون الخسارة بين طرفين فقط، بل تمتد آثارها إلى أجيال تنشأ في بيئة مضطربة تفتقد الاستقرار النفسي والاجتماعي. ومع ارتفاع معدلات الطلاق في السنوات الأخيرة، أصبح قانون الأسرة أحد أهم القوانين التي تؤثر في استقرار المجتمع ومستقبل الدولة، لأن استقرار الأسرة هو الأساس الحقيقي لاستقرار أي مجتمع.
وعندما يلجأ الطرفان إلى القضاء، فهذا يعني أن النزاع قد وصل إلى مرحلة الصراع، حيث يستخدم كل طرف ما يملكه من أدوات ضغط. فقد يمتنع الأب عن النفقة او توفير المسكن، بينما تلجأ الأم إلى تقييد الرؤية، فتدور دائرة من ردود الأفعال المتبادلة، ويظل الأطفال هم الضحية الأولى. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة إلى قانون أكثر وضوحًا وسرعة، يسد الثغرات، ويمنع تحول الطلاق إلى معركة طويلة تدمر أفراد الأسرة جميعًا.


ومن أهم هذه الخطوات أن يتضمن عقد الطلاق اتفاقًا واضحًا وملزمًا بين الطرفين عند وجود أطفال، بحيث يُنص صراحة على نفقة الطفل، ومسكنه، ومستوى المعيشة الذي يجب الحفاظ عليه بما يتناسب مع الحياة التي كان يعيشها قبل الطلاق، إلى جانب تنظيم استضافة الأب للأطفال. فوجود هذا الاتفاق داخل وثيقة الطلاق يضمن تنفيذ الحقوق فورًا، ويقلل من النزاعات المستقبلية، ويمنع بقاء الطفل معلقًا بين جلسات المحاكم وإجراءات التقاضي الطويلة.
وبذلك، يظل الباب مفتوحًا لرفع القضايا فقط في الحالات الاستثنائية مثل الخلع، أو الطلاق الغيابي، أو دعاوى الطلاق التي لا يمكن فيها إتمام هذا الاتفاق. وفي هذه الحالات، يجب إخطار لجان حماية الطفل فورًا، على أن تتحرك هذه اللجان للتحري ومتابعة أوضاع الأطفال وضمان حصولهم على حقوقهم الكاملة من نفقة ومسكن ورعاية واستضافة، بحيث لا يظل الطفل رهينة النزاع القائم بين الأب والأم. كما يكون من شأن هذه اللجان رفع القضايا أمام المحكمة نيابة عن الأمهات أو الآباء الذين لا يملكون القدرة على تحمل تكاليف المحاماة أو رسوم التقاضي، لضمان حماية حقوق الطفل وعدم ضياعها بسبب الظروف المادية أو تعقيدات الإجراءات القانونية.
كما أن من أبرز المشكلات التي تؤدي إلى إطالة النزاعات مسألة إثبات دخل الأب لتحديد النفقة، حيث تتحول هذه المسألة إلى صراع جديد بين الطرفين. وهذا الأمر لا يليق بدولة تمتلك مؤسسات قادرة على معرفة الوضع المالي للمواطنين، كما لا يليق بالمواطن المصري أن يدخل في نزاع لإثبات دخله. فمن المفترض أن تمتلك الدولة آليات واضحة وقواعد بيانات دقيقة تمكّنها من تحديد مستوى الدخل بشكل عادل وسريع، دون تحميل الأم أو الأب عبء إثبات الدخل، ودون إدخال الأسرة في نزاعات جديدة تزيد من معاناة الأطفال.
وفي صلب هذا النقاش، تظل مسألة الحضانة من أكثر القضايا حساسية، حيث يجب أن تكون الحضانة للأم ما دامت على قيد الحياة، وتتمتع بالصحة النفسية والعقلية السوية، ولا يوجد ما يثبت أن وجود الأطفال معها يسبب لهم ضررًا. فالأمومة غريزة فطرية، والأم هي الأكثر التصاقًا بحياة الطفل اليومية، وهي التي تتحمل العبء الأكبر في الرعاية والتربية، خاصة في السنوات الأولى التي تُشكل وعي الطفل واستقراره النفسي.
ولا ينبغي أن تُسلب حضانة الأم لمجرد زواجها، لأن ذلك يضعها أمام معادلة قاسية وغير عادلة. ففي كثير من الحالات، ومع تقصير الأب في النفقة أو عدم تحمله لمسؤولياته كاملة، تُجبر الأم على العمل لتتكفل بنفسها وبأطفالها، فتتحمل عبء الحياة بمفردها. ثم إذا أرادت الزواج لتحقيق الاستقرار لها ولأطفالها، تُحرم من حضانتهم، وكأنها تُعاقَب على سعيها للاستقرار، ويُطلب منها أن تقوم بدور الأب والأم معًا دون أن يكون لها الحق في بناء حياة مستقره.
إن هذا الوضع لا يخدم مصلحة الأطفال، بل قد يحرمهم من بيئة أكثر استقرارًا نفسيًا واجتماعيًا، خاصة إذا كان الزواج يوفر للأم دعمًا يساعدها على رعاية أبنائها بشكل أفضل. فالأم لا تفقد غريزتها أو مسؤوليتها بمجرد الزواج، بل تظل الأقرب لأطفالها والأكثر حرصًا على استقرارهم كما ينبغي أن تستمر الحضانة مع الأم، إلا إذا قرر الطفل غير ذلك، فمصلحة الطفل تظل الأساس في أي قرار.

ومن سن الخامسة عشرة يكون للطفل الحق الكامل في اختيار الإقامة مع الأب أو الأم وفق ما يراه مناسبًا لاستقراره النفسي والاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال دور الأب في حياة أبنائه، فالأب عنصر أساسي في بناء شخصية الطفل، ووجوده ضروري لتحقيق التوازن النفسي والعاطفي. ولذلك يجب أن يكون للأب حق الاستضافة المنظم قانونيًا، بحيث يقضي الأبناء وقتًا طبيعيًا مع والدهم، بعيدًا عن اللقاءات المحدودة، فيعيش معهم تفاصيل الحياة اليومية، ويخرج معهم، ويشاركهم حياتهم بشكل طبيعي، طالما يتمتع الأب بالصحة النفسية والعقلية السوية، ويقوم بمسؤولياته تجاه أبنائه.
فالحضانة ليست مكافأة تُمنح لطرف أو تُسحب منه، بل هي مسؤولية تُبنى على مصلحة الطفل أولًا. وعندما نحرم الأم القادرة من حضانة أبنائها بسبب زواجها، فإننا لا نؤثر على الأم فقط، بل نؤثر على استقرار الأطفال ونضعهم في صراع لا ذنب لهم فيه. فالقانون العادل هو الذي يحمي الطفل، ويدعم الأم القادرة على رعايته، ويُبقي دور الأب حاضرًا، دون أن يتحول أي من هذه الحقوق إلى أداة صراع، لأن استقرار الطفل اليوم هو استقرار المجتمع غدًا.
 

تم نسخ الرابط