في زمنٍ أصبحت فيه الضوضاء أعلى من الحكمة، والصورة أسرع من الفكرة، صار الإنسان يهرب من الحقيقة لا لأنها غامضة، بل لأنها تلزمه بالمواجهة، نحن لا نرفض الحقيقة دائما لأننا لا نعرفها، وإنما لأن معرفتها قد تهدم الأصنام الصغيرة التي صنعناها داخل عقولنا، وقد تسقط يقينا هشا بنيناه من العادة والخوف والموروث والتعصب، ومن هنا جاءت تجربة الدكتور مصطفى محمود كواحدة من أعنف الرحلات الفكرية التي خاضها عقل عربي بين «العلم والإيمان»، بين الشك واليقين، بين السؤال والطمأنينة.
كان الدكتور مصطفى محمود يقول إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يجهل الحقيقة، بل أن يراها ثم يهرب منها، وهذه الفكرة تحديدا تبدو اليوم أكثر إيلاما من أي وقت مضى، فنحن نعيش عصرا تتكدس فيه المعلومات، لكن الحقيقة نفسها أصبحت غريبة ومرهقة وثقيلة على النفوس، الناس لم تعد تبحث عما هو صحيح، بل عما يريحها نفسيا، وما يوافق أهواءها، وما يمنحها شعورا زائفا باليقين، ولهذا أصبح الإنسان المعاصر يمتلك من وسائل المعرفة ما لم يمتلكه جيل سابق، لكنه في المقابل صار أكثر ارتباكا، وأكثر خوفا من مواجهة نفسه.
لم يكن مصطفى محمود مجرد طبيب أو كاتب عابر، بل كان حالة فكرية كاملة، رجلا دخل إلى الإيمان من بوابة القلق، عاش سنوات طويلة يصارع الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ولماذا جئنا؟ وهل هذا الكون الهائل يمكن أن يكون مجرد صدفة عمياء؟ كان يرى أن الإيمان الحقيقي لا يولد من الخوف، بل من التأمل العميق، وأن العقل الذي لا يسأل، هو عقل ميت حتى لو امتلأ بالشهادات والمعارف.
في رحلتي من الشك إلى الإيمان لم يكتب مصطفى محمود نصا فلسفيا جامدا، بل كتب اعترافات إنسان أنهكته الحيرة حتى عاد إلى الله بعقل أكثر نضجا وروح أكثر صفاء، كانت رحلته شاقة، لأنه لم يرد إيمانا سهلا جاهزا، بل أراد يقينا يصمد أمام العلم والمنطق والأسئلة، ولهذا ظل مختلفا عن كثيرين؛ لأنه لم يكن يهرب من الشك، بل كان يغوص فيه حتى النهاية، ثم يعود بحقيقة أكثر رسوخا.
كان يرى أن العلم الحقيقي لا يصنع إنسانا متكبرا، بل يصنع إنسانا مندهشا، فكلما اكتشف العلماء سرا جديدا في هذا الكون، اتسعت مساحة الغموض أمامهم أكثر، الذرة التي ظنها الإنسان بسيطة تحولت إلى عالم كامل، والسماء التي بدت هادئة تخفي مليارات المجرات، والجسد البشري الذي نحمله بلا انتباه يعمل بدقة تفوق أعظم الآلات التي صنعها البشر، ومن هنا كان مصطفى محمود يؤكد أن العلم حين يصل إلى قمته ينحني في خشوع أمام عظمة الخالق.
لكن الإنسان كثيرا ما يرفض الحقيقة لأنها تهدم الصورة التي رسمها لنفسه، نحن لا نخاف الجهل بقدر ما نخاف الاعتراف بأننا كنا مخطئين، ولهذا يتمسك البعض بأفكارهم حتى لو سقطت أمام الأدلة، ويتمسكون بأوهامهم لأن الوهم أحيانا يكون أكثر راحة من الحقيقة، الحقيقة تحتاج إلى شجاعة، شجاعة أن تعترف أنك كنت ترى بعين واحدة، وأن هناك عالما كاملا لم تكن تنتبه إليه.
كان مصطفى محمود شديد الإدراك لهذه الأزمة النفسية والإنسانية، لذلك لم يكن خطابه قائما على الصراخ أو التخويف، بل على إيقاظ العقل والقلب معا، في برنامجه الشهير «العلم والإيمان» لم يكن يعرض معلومات علمية فقط، بل كان يعيد الإنسان إلى لحظة الدهشة الأولى، تلك اللحظة التي ينظر فيها المرء إلى الكون فيشعر بأنه صغير أمام هذا النظام الهائل، كان يريد أن يقول للناس إن الإيمان ليس خصما للعقل، بل إن العقل الصادق يقود في النهاية إلى الإيمان.
ولعل المأساة الكبرى في هذا العصر أن كثيرين يتعاملون مع الحقيقة وكأنها عدو شخصي، فإذا خالفت مصالحهم رفضوها، وإذا هددت أفكارهم حاربوها، وإذا كشفت ضعفهم هربوا منها، ولهذا امتلأت الحياة بالضجيج، بينما
قل التأمل، وكثر الكلام، بينما ماتت الحكمة، وأصبح الناس يحفظون الآراء أسرع مما يفكرون فيها، ويكررون ما يسمعونه دون أن يمنحوا أنفسهم لحظة صدق واحدة مع عقولهم.
إن تجربة مصطفى محمود ليست مجرد تجربة كاتب أو مفكر، بل تجربة إنسان أدرك أن رحلة البحث عن الحقيقة هي أصعب رحلة يمكن أن يخوضها البشر، لأنها تبدأ من الداخل، من مواجهة النفس، من تحطيم الغرور، ومن الاعتراف بأن الإنسان مهما بلغ من العلم سيظل واقفا أمام هذا الكون كطفل صغير يحاول أن يفهم أسراره.
وهنا تتقاطع أفكار الدكتور مصطفى محمود بصورة لافتة مع ما طرحه الأستاذ الدكتور محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة في مقاله المنشور بجريدة جريدة الأخبار حول ضوابط طرح الأفكار الجديدة، كمحاولة للتصدي لما حدث خلال الآونة الأخيرة من تسريب بعض الأفكار الشاذة، إذ أكد أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس فقط الجهل، بل الانسياق وراء أفكار غير ممحصة تقدم للجمهور في ثوب الحقيقة دون سند علمي أو منهجي.
الإيمان الأعمى
وهذه الفكرة تمثل الامتداد الطبيعي لمعركة مصطفى محمود الفكرية، فالرجل لم يكن يدعو إلى الإيمان الأعمى، كما لم يكن يحتفي بالعلم المنفصل عن الضمير والعقل النقدي، بل كان يؤمن بأن الحقيقة لا تنال بالصوت المرتفع ولا بالانتشار السريع، وإنما بالبحث والتأمل والتجربة والصدق الفكري.
وكما حذر السعيد من خطورة الخلط بين الادعاء والدليل، وبين الشهرة والحقيقة، كان محمود يرى أن الإنسان قد يتحول إلى ضحية لوهم كبير حين يتوقف عن التفكير ويتعامل مع كل ما يسمعه باعتباره يقينا نهائيا، فالعلم الحقيقي لا يخاف السؤال، والإيمان الحقيقي لا يخشى العقل، أما المجتمعات التي تقدّس الادعاءات بلا برهان، فإنها تفتح أبوابها للخرافة والارتباك وضياع الوعي.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة كالشمس؛ لا يستطيع أحد أن يطفئها، لكن كثيرين يفضلون إغلاق نوافذهم حتى لا يروها








