و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

تفاعلت مثل غيرى مع الجدل المشتعل على منصات التواصل الاجتماعي، حول ارسال مفرزة من سلاح الجو المصري إلى دولة الإمارات العربية، في ظل الأجواء المتوترة، رغم "الهدنة المؤقتة" والمفاوضات المتعثرة، لوقف الحرب بين إيران وأمريكا وحليفتها الدولة العبرية.

ولا أنكر أن القراءة الأولى للإعلان عن الخبر، كانت صادمة لي، وربما لكثيرين غيري من المهتمين والمهمومين بالشأن العام، وتدافعت التساؤلات بلا توقف، هل سنتورط في تلك الحرب؟ أما أن ارسال قوات خارج الحدود، مهما كان حجمها، له خبايا لا نعلمها؟، ومن الطبيعي أن تكون هناك خبايا، فتعامل الدولة مع الملفات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن القومي، تختلف كلية عن نظرة الأفراد. 

الحاجز النفسي

و مع ذلك وجدت من الضروري ألا نتعجل الحكم علي قرار ارسال قوات خارج الحدود، و نعيد قراءة المشهد من زوايا لم تكن مطروحة في مساحة الجدل، فالأمور الشائكة التي تمس استراتيجية الدولة، وأمنها القومي، لا يمكن أن تكون مرجعيتها "الهرتلات" المتداولة علي منصات التواصل الاجتماعي، والتي فتحت المجال لكل "مخبول"، او متسكع علي نواصي السوشيال ميديا، أن يتحول بقدرة قادر الي "أبو العريف"، وجنرال يتبارى في الافتاء مع أمثاله على المقاه، ممن يجيدون رفع سقف الجدل حول مفهوم الأمن القومي.

دون دراية أو وعلم بالمفهوم أو محدداته، مروراً بالحديث عن دستورية، أو عدم قانونية ارسال قوات خارج الحدود، لكن لو كلف أي جنرال من جنرالات المقاه عناء البحث بهدف المعرفة، لأدرك أن هذا الاجراء، لا يحتاج لموافقة البرلمان، كما أن الدستور ذاته، لا يحظر ارسال قوات خارج البلاد بصورة مطلقة، لكنه يحدد الهدف من المهمة، وتحديد المهمة هو الأساس في اللجوء للبرلمان أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو مجلس الدفاع الوطني.

وعلى الجانب الأخر، الدولة المصرية، لم تعلن رسمياً عدائها لأي طرف من أطراف الصراع، وتسعي للحلول السلمية، كما أن دولة الإمارات، التي هبطت على أراضيها قوات مصرية، لم تعلن الحرب ضد إيران، وبالتالي يصبح الحديث عن أننا سنحارب نيابة عن الامارات عبث.

لكن لماذا الامارات؟، التساؤل يصيح بلا توقف، لماذا الامارات، وليست السعودية مثلا، أو قطر أو البحرين أو الكويت، بعيداً عن القصص المتناثرة عن تواجد قوات في تلك البلدان، ربما يشعر البعض أكثر بالراحة، إذا كانت تلك القوات متواجدة فى المملكة العربية السعودية، أما السبب فهو الحاجز النفسي، الذي شيدته الامارات ذاتها، عبر تدخلاتها فى ملفات تمس الأمن القومي المصري مثل ليبيا والسودان والصومال واليمن، ويذهب البعض لتأكيد ضلوعها، تتكرر مرة أخرى، تأكيد ضلوعها، فى تمويل السد الأثيوبي وأكثر من ذلك.

وقراءة المشهد من زوايا مختلفة، حفزت ذهني على تصور، مجرد تصور شخصي ماذا لو؟ كان هناك تنسيقاً مصريا ايرانيا، يهدف تحييد التواجد الأمريكي على قواعد إماراتية، وأن يحل بدلاً منها تواجد مصري، لإحباط أي مبررات للهجوم على أبو ظبي، وارتضت إيران ذلك، للتراجع عن استهدافها، وألا تضعها في مرمى الصواريخ والمسيرات، بما يمهد لنزع فتيل مواجهة إيرانية على الأراضي الإماراتية، ومن ناحية أخري، تحاول الدولة المصرية، سد الطريق أمام دولة الامارات، ومنعها من الانخراط في تحالفات فعلية، مُعلنة، على الأرض مع أطراف، نحن لا نرتضيها.

فالقراءة المتأنية للمشهد الإقليمي بكل تعقيداته، تّظهر بجلاء أن «ترامب» يسعى لإعلان إنجاز تاريخي، ونصر سياسي وإعلامي بلا حرب، و ان كان الخاسر من استمرارها هي البلدان الخليجية، لذلك تحاول واشنطن، توريطها كطرف رئيسي مباشر، ثم تتركها في مواجهة مع إيران ، ويلي ذلك العزف علي أوتار حرب مذهبية ، و المستفيد الأول الكيان الصهيوني، أما ترامب الذي جره نتنياهو الي هذا المستنقع، لا يعنيه من المنطقة سوي ثرواتها، و يجاهر بذلك بلا خجل.

خاصة أنه دخل الحرب ضد ايران، بسيناريو أشبه بفيلم سينما أكشن، سيتم حسمها بسلاسة ، عبر بروبجندا و صياح، تمثل في رفع وتيرة  التهديد العسكري واستعراض للقوة، وحصار اقتصادي، ظناً منه ان هذه الطريقة، ستدفع إيران إلى الاستسلام، وسلب ثروات الخليج، باعتبار أن أمريكا هي الحامية، رغم انكشاف الحقيقة في هذه الحرب، أمن الكيان الصهيوني أولاً، و ليس الامارات او السعودية أو البحرين أو قطر.

سقطت طموحات «ترامب» عندما أغفل عمداً، حقائق تاريخية وجيوسياسية، فإيران ليست فنزويلا، لما تملكه من مقومات تاريخية و حضارية، فرغم كلفة العقوبات الاقتصادية، تشكلت لديها عقيدة ، مفادها أن الاستسلام تحت الضغوط السياسية والعسكرية سيرسخ لسابقة استراتيجية كارثية، لا تتوقف عند حدود الملف النووي وحده باعتباره عنوان الصراع، بل ستفتح الباب واسعاً لمطالب أخرى لا تنتهي، مجملها يمس السيادة الوطنية، والقدرات الصاروخية، و تمتد الى العلاقات السياسية إقليمياً، ودولياً، فضلاً عن الثروات والمصالح الاقتصادية.

دون أن يمنع ذلك من  احتمال توجيه ضربة عسكرية لها مستقبلًا، لذا فان الإيرانيين يرفعون سقف مطالبهم، لإفشال رغبة ترامب فى تحقيق نصر مجاني بلا كلفة، بل يدفعونه، جبراً، نحو خيارين لا ثالث لهما، إما القبول باتفاق نووي متوازن، مشروط بوقف الحرب، وإجلاء القواعد الأمريكية من منطقة الخليج، و التي تمثل تهديداً مباشراّ لها ، و ربما كانت هذه هي الزريعة ، التي تبرر بها طهران استهداف الامارات و البحرين و السعودية ، فضلاً عن الضغط لإنهاء العقوبات، مع قبول وعود تجارية، تسمح لترامب بتسويقه داخليا، أو الانزلاق إلى حرب مفتوحة يعرف الجميع، أن عواقبها باهظة الثمن، و نتائجها لن تكون مضمونة، لهذه الأسباب لا يخفي ترامب دهشته من صمود إيران.

التداعيات الكارثية

رغم ما جري على أراضيها من تدمير، و الاستياء من القوة الأمريكية، التي لم تحسم الحرب بالصورة التي أرادها، وكسر إرادة دولة، قررت أن تواصل الرد، وتفاوض من موقع الندية، لا من موقع الانكسار والهزيمة، أما الجانب الآخر، فهو الفشل في توريط بلدان الخليج العربية، وعدم  استجابتها الدخول بشكل مُعلن في حرب لا ناقة لها فيها و لا جمل، وهذا يدل على براعة الدولة المصرية في التعامل مع الأزمة منذ البداية، لأنها تدرك، وفق مسؤولياتها القومية، التداعيات الكارثية، كما تدرك مخاطر الانزلاق فى تلك الحرب، التي ستصب، حتماً، حال استمرارها في صالح الدولة العبرية، و يجعلها القوة الإقليمية المهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، و هذا يعني ببساطة شديدة، انهيار الأمن القومي الاقليمي، وهو ما تتصدي له مصر علي المستويات كافة.

لكن هناك تساؤل يبدو ملحاً، كيف للدولة المصرية التي لا تريد إقحام الخليج فى هذه الحرب، وتقوم بجهود وساطة، وترسل في ذات الوقت مقاتلات الي دولة الإمارات العربية، وربما الي دول أخري، حسبما يتردد بعيداً عن أي مستوي رسمي، لكنه يتردد، وفي هذا السياق يجب أن نعي الفروق بين الرغبات الذاتية، ومصالح الدول، مع الوضع في الاعتبار أن مصر دولة إقليمية كبيرة، وذات تأثير لا يمكن اغفاله، الي جانب أن عليها التزامات تجاه محيطها العربي، مهما تقاطعت المصالح القومية في ملفات أخري.

تم نسخ الرابط