مع اقتراب نهاية كل عام دراسي، يدخل الجميع إلى سباق يبدو في ظاهره تربويًا، لكنه يتحول تدريجيًا إلى سباق درجات أكثر منه رحلة تعلم، ومع انطلاق الامتحانات النهائية والتقييمات للعام الدراسي 2025/2026 في المدارس المصرية، نطرح سؤال يتجدد مع كل قرار بعقد اختبارات أو تقييمات: هل أصبحت المدرسة ساحة اختبار مستمر، أم ما زالت مساحة لبناء إنسان؟
في السنوات الأخيرة، ومع تطور نظم التقييم وازدياد الاعتماد على الاختبارات الدورية، أصبح الطفل يعيش حالة ضغط متواصل لا تتوقف عند الامتحان النهائي فقط، بل تمتد إلى الواجبات، والاختبارات القصيرة، والتقييمات الشهرية، بل وما أستجد من كتب منفردة للتقويم تُقاس بها قدرته على الاستيعاب اللحظي أكثر من فهمه العميق.
المشكلة ليست في التقييم ذاته، فالتقييم جزء أساسي من العملية التعليمية، لكنه يتحول إلى عبء حين يصبح الهدف هو "الدرجة" لا "المعرفة"، وحين يُختزل نجاح الطفل في رقم على ورقة، بدلًا من النظر إلى شخصيته، قدراته، وميوله، بل أنه أصبح عبئ على الأسرة بكامل أفرادها بما يتطلبه من حل عدد كبير جداَ من الاوراق للحصول على الدرجة بما يدفع الأمهات الي المشاركة في حلها دون أن يلتفت أحد هل حصل الغرض الأساسي وهو وصول هذه المعلومات الي الطلبة؟
داخل البيوت المصرية، يتكرر المشهد نفسه أب يراقب الدرجات كأنه يراقب ميزان نجاح الأسرة، وأم تعيش بين القلق والمقارنة، وطفل يشعر أن قيمته أصبحت مرتبطة بورقة امتحان، ومع مرور الوقت، يبدأ الطفل في تعلم "كيف ينجح في الامتحان" أكثر من تعلم "كيف يفهم الحياة".
هنا تظهر فجوة خطيرة المدرسة التي يفترض أن تُنتج طفلًا قادرًا على التفكير، تتحول تدريجيًا إلى مؤسسة لإنتاج إجابات نموذجية محفوظة، والطفل الذي يفترض أن يُسأل ويُجرب ويخطئ، يصبح مطالبًا بأن يكون دقيقًا طوال الوقت دون مساحة حقيقية للخطأ أو الاكتشاف، وفي خضم هذا الضغط، تتراجع قيم أساسية مثل الإبداع، الفضول، المبادرة، وحتى حب التعلم نفسه، يتحول العلم من رحلة ممتعة إلى "واجب ثقيل"، ومن اكتشاف إلى اختبار مستمر للخوف من الفشل، لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا تفعل المدرسة؟، بل أيضًا: ماذا نفعل نحن كأهالٍ؟
في كثير من الأحيان، يكون ضغط الأسرة أكبر من ضغط المدرسة نفسها، المقارنة بين الأبناء، التعليق المستمر على الدرجات، وربط الحب والتقدير بالنجاح الدراسي، كلها رسائل غير مباشرة تجعل الطفل يعتقد أن قيمته الإنسانية مشروطة بالتحصيل فقط، الحل لا يعني إلغاء الامتحانات، بل إعادة تعريف معناها، أن يصبح التقييم وسيلة لفهم الطفل، لا أداة للحكم عليه، أن تتحول المدرسة إلى مساحة آمنة للتجربة والخطأ، لا محكمة دائمة للأداء، وأن يدرك ولي الأمر أن التفوق الحقيقي لا يُقاس فقط بالدرجات، بل بقدرة الطفل على التفكير، التكيف، والتعبير عن نفسه.
نحن لا نحتاج طفلًا يعرف الإجابة فقط، بل نحتاج طفلًا يعرف كيف يسأل وكيف يمنح إجابات جديدة وحلول مبتكرة، نحن لا نحتاج مدرسة تُخرج متفوقين على الورق فقط، بل نحتاج مدرسة تُخرج إنسانًا قادرًا على الحياة وعلى التعلم راغبَا في المعرفة ومقدرَا لأهمية العلم.
ومن مظاهر هذا التحول أيضًا ما أصبح يُعرف بـجداول الامتحانات المزدحمة، والتي في بعض الأحيان تضع أكثر من مادة في اليوم الواحد، أو ترتب مواد متباينة الصعوبة بشكل لا يراعي قدرات الطلاب أو طبيعة كل مادة ولا يلتفت لعنصر الزمن فبدلَا من أن يُمنح الطالب وقتًا كافيًا للاستعداد النفسي والذهني لكل مادة، يجد نفسه في سباق متتالٍ من الامتحانات داخل نفس اليوم، ينتقل فيه من مادة إلى أخرى دون مساحة حقيقية للتركيز أو استعادة التوازن العقلي.
العدالة التربوية
هذا النمط من الجداول لا يراعي فقط الإرهاق الجسدي، بل يتجاهل أيضًا حقيقة مهمة في علم التربية: أن عقل الطفل أو المراهق ليس "خزانًا" يُفرغ ويُملأ بشكل متتابع دون أثر، فكل اختبار يحمل معه توترًا، وكل انتقال سريع بين المواد يضاعف من الضغط النفسي ويؤثر على جودة الأداء حتى لدى الطلاب المجتهدين، والنتيجة أن الامتحان يفقد جزءًا من عدالته التربوية، لأن القياس هنا لا يعتمد فقط على الفهم، بل يتأثر أيضًا بقدرة الطالب على التحمل، والسرعة، وتراكم الإرهاق في نفس اليوم وفي أيام الاختبارات المتتالية.
إن إعادة النظر في تصميم جداول الامتحانات ليست رفاهية تنظيمية، بل جزء أساسي من احترام عقل الطالب وقدرته على التعلم. فالتعليم الحقيقي لا يُقاس بكثافة الامتحانات، بل بمدى ما يتركه من أثر معرفي ونفسي مستقر، ومع اقتراب نهاية العام الدراسي الحالي والإعلان عن الخريطة الزمنية للعام الدراسي الجديد 2926-2027، ربما يكون الوقت مناسبًا لإعادة النظر:هل نريد من المدرسة أن تكون ساحة اختبار… أم مساحة لصناعة إنسان؟








