تتملّك الصحافيَّ الحيرةُ عندما يحاول أن يكتب في ملف شائق ومهم كملف السودان، البلد العربي الأفريقي الشقيق، خاصة عندما يتعلق الأمر بهجوم من دولةٍ جار وعضو في منظمة الاتحاد الأفريقي، فلا أرى أي مبرر للهجمات بطائرات مسيّرة تستهدف مواقع داخل الأراضي السودانية، من بينها مطار الخرطوم الدولي، ومع تصاعد حدة التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا، واتهام السودان لإثيوبيا بالوقوف وراء هذا الاعتداء ضد أراضيها ومنشآتها، دفعت هذه التطورات الحكومةَ السودانية إلى استدعاء سفيرها لدى أديس أبابا للتشاور على خلفية هذه الهجمات.
إن تداعيات اتهامات السودان تجاه إثيوبيا بشأن هجمات عابرة للحدود تُدخل منطقة القرن الأفريقي مرحلة خطيرة؛ مرحلة اختبار الإرادة والسيادة، فما نشاهده بين الخرطوم وأديس أبابا ليس حادثًا معزولًا انقضى وانتهى، بل نمط متكرر قد يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، نحن نقف أمام اعتداء مباشر على سيادة دولة عضو في المنظمة الأفريقية، مما خلق توترًا سياسيًا خطيرًا، واستمراره قد يتحول إلى تصاعد ينذر برد عسكري غير مُعلن.
تختلف أدوات الهجوم والردع اليوم عن الأمس، والتي تستخدم أدوات عسكرية متقدمة هي في الحقيقة رسائل ردع سياسية حادة قبل أن تكون أداة حديثة للهجوم، ومن بين هذه الأدوات تبرز الطائرات المسيّرة، التي لم تعد مجرد سلاح حديث للهجوم، لكنها أصبحت رسائل ردع، فالمسيّرات أصبحت أداة تمنح من يستخدمها ميزة الضرب دون مواجهة، لكنها في الحقيقة تجعل الجميع على مقربة من حافة الهاوية والانفجار، فإذا حدث هجوم، حتى لو كان بطريق الخطأ، فإنه قد يؤدي إلى اشتعال ما لا يمكن إطفاؤه، خاصة إذا كان هذا الهجوم في إقليم مشتعل ومثقل أصلًا بالأزمات والصراعات، بداية من الحدود إلى المياه إلى الصراعات الداخلية.
قنبلة شديدة الإنفجار
لم تكن القارة السمراء بحيرة هادئة كما يظن البعض، ولكن نزاعاتها في الماضي لم تكن تتجاوز أضرارها حدود المنطقة، أما اليوم، وفي ظل توترات الحدود وحدّتها، فأصبحت أكثر خطورة وتتجاوز أضرارها الحدود، يعيش القرن الأفريقي اليوم خطر إشعاعات الهجوم الإثيوبي على الأراضي السودانية، والتي تفوق بخطورتها كل إشعاعات الصراعات السابقة، والتي تنذر بتحويل المنطقة إلى قنبلة شديدة الانفجار، فأديس أبابا ليست عاصمة متماسكة تقف على أرضية صلبة، لكنها "حفرة متفرقة مبعثرة" تتآكل من داخلها، تحاول تجميع ولملمة أطرافها المتناثرة المشتتة، بينما يتمزق جسدها بين نبضات أوروميا وشظايا أمهرة وندوب تيجراي القديمة، فإثيوبيا، وفي ظل نظامها الحالي، نظام مضطرب متناقض يجيد لغة المراوغة، يسير وفق مخططات إقليمية، بداية من تدخله في شؤون دول الجوار، مرورًا برفضه اتفاقيات تقسيم المياه وتعنته في المفاوضات مع دول المصب، مما ينذر بتحويل المنطقة إلى بركان قابل للانفجار.
الهجمات الإثيوبية الأخيرة على مطار الخرطوم لم تكن معزولة أبدًا عن خيط ممتد من التوتر المتصاعد بين الخرطوم وأديس أبابا، تتداخل فيه ملفات ذات حساسية، منها سد النهضة، والنزاعات الحدودية، وتوازنات الحرب الداخلية في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع المتمردة، فضلًا عن أدوار إقليمية أصبحت متشابكة، وعند قراءة المشهد الحالي نجد أن التصعيد الأخير بين السودان وإثيوبيا ناتج عن عوامل جيوسياسية وتاريخية معقدة تراكمت خلال السنوات الماضية، كملف سد النهضة الذي يظل السبب الرئيسي وبؤرة التوتر بين البلدين، حيث ترى السودان أن قضية السد ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأمنها المائي وسلامة منشآتها الحيوية.
موقف السودان من قضية سد النهضة متوافق مع الموقف المصري، وهذا التباين في الرؤى جعل من الملف نقطة ضغط متبادلة بين البلدين، فحين تنظر أديس أبابا بقلق إلى ما تعتبره تقاربًا سودانيًا مصريًا، فإن التوافق المصري السوداني بخصوص قضية السد يتجاوز الإطار الفني إلى حسابات سياسية وأمنية أكبر، وإلى جانب ملف السد تأتي قضية النزاعات الحدودية، خاصة في منطقة الفشقة السودانية، والتي تلعب دورًا محوريًا في تغذية التوتر، فهذه المنطقة تعد بؤرة توتر قائمة بين الخرطوم وأديس أبابا، وقد شهدت الفشقة منذ سنوات مواجهات متقطعة على أثر هجمات نفذتها جماعات مسلحة إثيوبية داخل المنطقة.
وإذا نظرنا إلى خريطة الفشقة السودانية، التي تتصاعد حولها بين الحين والآخر النزاعات المسلحة بين الخرطوم وأديس أبابا، نجدها أراضي سودانية خصبة تمتاز بخصوبة عالية جاذبة للاستثمارات، مما جعل دولة الإمارات العربية تقدم في وقت سابق عرضًا عبارة عن مقترح بتحويل منطقة الفشقة إلى أرض مشتركة بين السودان وإثيوبيا، واقترحت الحكومة في أبو ظبي تمويل مشروع استثماري زراعي كبير في المنطقة، إلا أن الخرطوم رفضت الاقتراح الإماراتي واعتبرت أن الفشقة أرض سودانية، تداعيات المواجهة التي شهدها إقليم تيجراي ألقت بظلالها على العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا، بعدما قام السودان بتعزيز وجوده في مناطق حدودية، ما ترك حالة غضب وحساسية لدى إثيوبيا، خاصة وأن قوات الدعم السريع تتهم إقليم تيجراي بمساعدة قوات الجيش السوداني، وأن هناك مقاتلين من الإقليم يقاتلون ضمن قوات الجيش، وهو ما تنفيه بشدة الحكومة في الخرطوم.
ارتكب الجيش الإثيوبي خطأ فادحًا وانتهاكات جسيمة وتهجيرًا قسريًا ضد سكان إقليم تيجراي، وكان السودان، حكومة وشعبًا، هو من استقبل المدنيين الفارين من الجحيم من أهالي الإقليم، وقدم لهم المساعدة الإنسانية ووفّر ملاذًا آمنًا لهم، الواقع يؤكد أن المواجهة بين الخرطوم وأديس أبابا تتخطى أي خلاف حدودي أو نزاع حول سد النهضة، لكنها مواجهة مثل كرة الثلج تتدحرج تدريجيًا حتى تسقط في حفرة مركزية أكثر عمقًا، لذلك نرى أن الهجمات الأخيرة بالمسيّرات داخل الأرض السودانية، واتهامات الخرطوم المباشرة لأديس أبابا، تكشفان أن العلاقة بين البلدين دخلت مرحلة خطيرة تنذر بصراع يقترب بشكل تدريجي من المواجهة المكشوفة.
نحن أمام مشهد معقد من العلاقات بين البلدين الجارتين، فبينما تتهم السودان إثيوبيا بمهاجمة الأراضي السودانية بالمسيّرات، وأنها وفقًا للناطق الرسمي للقوات المسلحة السودانية، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب، لدى السودان أدلة وإثباتات فنية واستخباراتية قاطعة تحصلت عليها الحكومة والأجهزة المختصة تثبت انطلاق المسيّرات من الأراضي الإثيوبية، ولدى السودان تفصيلات موثقة بالتواريخ تتعلق بعدد من الانتهاكات التي قال إنها نُفذت بواسطة مسيّرات أقلعت من مطار بحر دار الإثيوبي، إلا أن أديس أبابا تنفي هذه الاتهامات.
النفي الذي أصدرته الحكومة الإثيوبية غير قابل للتصديق، ولم يكن مقنعًا لاحتواء اتهامات حكومة الخرطوم، خاصة في ظل صدور تقارير دولية تفيد بوجود معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية تقوم بتدريب وإسناد قوات الدعم السريع، مزودة بممرات جوية وحظائر للمسيّرات، فوفقًا لتقرير صادر عن وحدة أبحاث في جامعة يال الأميركية، يشير إلى قاعدة عسكرية إثيوبية قريبة من الحدود السودانية تقدم دعمًا لقوات الدعم السريع في السودان، وأفاد مختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة في الجامعة (Humanitarian Research Lab) بأن تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات مفتوحة المصدر يظهر نشاطًا "يتماشى مع تقديم مساعدة عسكرية لقوات الدعم السريع" في قاعدة إثيوبية في أسوسا بمنطقة بني شنقول-جوموز، ورصد التقرير أن هجمات قوات الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان كانت تُشن من داخل إثيوبيا.
من هنا كانت اللغة التي استخدمتها الخرطوم صريحة وقوية وصارمة بشأن انطلاق المسيّرات التي استهدفت مطار الخرطوم ومواقع أخرى من الأراضي الإثيوبية، وأن الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت وتنذر بتطورات الصراع، وربما يتحول إلى مواجهة مباشرة بين البلدين، خاصة وأن التوترات بين السودان وإثيوبيا دفعت إلى استعدادات عسكرية يقوم بها الجيش السوداني والقوات المساندة له في الولايات الشرقية، إذ تتشارك ولايات سودانية هي كسلا والقضارف وسنار والنيل الأزرق الحدود مع إثيوبيا، والتي تمتد على مسافة تُقدر بنحو 769 كيلومترًا تقريبًا، وفي ذات السياق أعلنت الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش السوداني في مدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق جاهزية قواتها لأي تهديدات محتملة.
تدرك أديس أبابا أن المواجهة مع الخرطوم مكلفة، لكنها في ظل نظام حكومة آبي أحمد اختارت الاستمرار في سياسة الانخراط في المخطط الذي تديره أطراف إقليمية، وأن استمرارها في هذا المخطط يحول النزاع مع السودان إلى مواجهة إقليمية محتملة، تراقب القاهرة هذه التطورات بين السودان وإثيوبيا عن قرب، وهذا كان واضحًا من البيان الذي صدر عن وزارة الخارجية، حيث أعربت مصر عن قلقها البالغ إزاء تصاعد وتيرة هذه الهجمات، التي يُشار إلى انطلاقها من أراضي إحدى دول الجوار، محذرة من اتساع رقعة الصراع وامتداد تداعياته إلى الإقليم، وأكدت مصر رفضها القاطع لأي تدخلات خارجية في الشأن السوداني، مشددة على أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، كما جدّدت دعمها للجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى احتواء الأزمة، مؤكدة استمرارها في العمل مع الشركاء من أجل تهدئة الأوضاع وتغليب الحلول السلمية بما يلبي تطلعات الشعب السوداني نحو الأمن والاستقرار.
أبناء وادي النيل
كما أعربت المملكة العربية السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لاستهداف موقع في ساحة مطار الخرطوم، وقالت وزارة الخارجية السعودية، في بيان نشرته صحيفة الشرق الأوسط، إن المملكة تؤكد موقفها الثابت في الدعوة إلى الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الشرعية ومقدرات شعبه الشقيق وأمنه واستقراره، وتشدد على أهمية إبقاء الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية بعيدة عن الصراع. ودعت المملكة الأطراف إلى التهدئة والوقف الفوري لهذه الانتهاكات واحترام ما تم التعهد به في إعلان جدة الموقع بتاريخ 11 مايو 2023، من حماية للمدنيين والأعيان المدنية والقانون الدولي الإنساني. كما دعت المملكة الدول المجاورة للسودان إلى احترام سيادة السودان واستقلاله ومنع استعمال أراضيها.
تدرك القاهرة جيدًا أهمية استقرار السودان الشقيق باعتبار أن الأمن القومي السوداني مرتبط بالأمن القومي المصري، فالسودان بالنسبة لمصر ليس جارًا فحسب، بل إن الشعب السوداني موجود في الوجدان المصري، والشعبان المصري والسوداني أبناء وادي النيل، لذلك فالسودان له وضع شديد الخصوصية عند المصريين، ومصر تعمل على تهدئة التوترات على الحدود.
وعلى أي حال، نجد أن ما نشاهده الآن في المنطقة من صراعات وتوترات ما هو إلا نزاع على مفاتيح الجغرافيا، وصراع على حق إعادة تشكيل المجال الإقليمي.
- السودان
- منظمة الاتحاد الأفريقي
- طائرات مسي رة
- الأراضي السودانية
- مطار الخرطوم
- اديس ابابا
- إثيوبيا
- القرن الأفريقي
- القارة السمراء
- أوروميا
- أمهرة
- تيجراي القديمة
- سد النهضة
- النزاعات الحدودية
- الحرب الداخلية
- قوات الدعم السريع
- الموقف المصري
- الإمارات
- أبو ظبي
- المساعدة الإنسانية
- عاصم عوض عبد الوهاب
- مطار بحر دار
- جامعة يال
- مختبر الأبحاث الإنسانية
- النيل الأزرق
- آبي أحمد
- السعودية
- الصفحة الأولى
- موقع الصفحة الأولى






