و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

تحالف أعداء الأمس

أديس أبابا على صفيح ساخن.. اتساع رقعة الحرب الأهلية يهدد بتفكك إثيوبيا

موقع الصفحة الأولى

تعيش إثيوبيا منعطفاً تاريخياً خطيراً مع انفجار الأوضاع العسكرية مجدداً في شمال البلاد، حيث تحول السلام الهش الذي  أقره اتفاق بريتوريا عام 2022 إلى صراع شامل عابر للأقاليم.
وتواجه حكومة آبي أحمد اليوم التحدي الأكبر لشرعيتها وبقاء الدولة الاتحادية، في ظل اتساع جبهات قتال وتشكيل تحالف عسكري غير مسبوق بين جماعات مسلحة كانت بالأمس القريب تحارب بعضها البعض، ما ينذر بنزوح مئات الآلاف وغرق منطقة القرن الأفريقي بالكامل في فوضى أمنية  عارمة.
شهدت الأيام القليلة الماضية تصعيداً كبيرا بعدما أعلنت "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" الدخول في "حرب شاملة" ضد قوات الحكومة الإثيوبية. 

ولم يعد الصراع محصوراً في زاوية جغرافية واحدة؛ بل امتدت النيران سريعاً لتلتهم الحدود المشتركة مع إقليمي "عفر" و"أمهرا". وجاء هذا التطور الميداني الخطير بعد الإعلان عن تحالف عسكري وسياسي أُطلق عليه اسم "تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء"، والذي يضم سبع منظمات مسلحة تسعى بشكل معلن للإطاحة بنظام آبي أحمد.
وبحسب التحليلات العسكرية، فإن المفارقة الكبرى في هذا التحالف تكمن في انضمام ميليشيات "فانو" الأمهرية إليه؛ وهي القوات العرقية التي حاربت بقوة إلى جانب الجيش الحكومي ضد مقاتلي تيجراي بين عامي 2020 و2022. لكن شعور الأمهرة بالتهميش بعد اتفاق السلام، ومحاولة الحكومة نزع سلاحهم، دفعهم إلى الانقلاب على أديس أبابا وفتح جبهات قتال شرسة في عمق إقليم أمهرا، بالتنسيق مع حلفائهم الجدد في تيجراي وبقايا جيش تحرير أورومو.

أزمة إنسانية متفاقمة

وعلى الأرض، حقق المسلحون مكاسب ميدانية خاطفة وكبيرة أربكت حسابات قوات الحكومة في إثيوبيا. فقد نجحت قوات تيجراي في السيطرة على مطارات استراتيجية حيوية في الشمال، مثل مطار العاصمة الإقليمية "ميكيلي"، وأكسوم، وشيري، مما أدى إلى تعليق الخطوط الجوية الإثيوبية لرحلاتها. وفي ذات الوقت، تمكن مقاتلو "فانو" من توجيه ضربات موجعة للمؤسسة العسكرية عبر تنفيذ كمائن محكمة أسفرت عن أسر مئات الجنود والضباط الفيدراليين، واغتنام شاحنات محملة بالأسلحة الثقيلة في جبهة "وولو" ومناطق جنوب جوندر.

ولم تتوقف التداعيات عند الجانب العسكري؛ حيث تعيش المناطق الشمالية حصاراً خانقاً مع انقطاع كامل لشبكات الإنترنت والاتصالات والمصارف الرقمية. وتسبب هذا الإغلاق في موجة شراء للمواد الغذائية ونقص حاد في السيولة والسلع الأساسية. وفي غضون ذلك، يزحف مقاتلو المعارضة نحو محور "ميلي" في إقليم عفر، وهو الشريان البري الاقتصادي الأهم الذي يربط إثيوبيا بميناء جيبوتي، مما يهدد بقطع حبل الوريد للتجارة الخارجية للبلاد.
علي الجانب الآخر  فرضت شرطة العاصمة حظراً مفتوحاً على حركة الدراجات النارية لدواعي أمنية. وجاء هذا التحرك بناءً على معلومات استخباراتية تشير إلى اعتزام خلايا التحالف المسلح تنفيذ عمليات اغتيال خاطفة ضد قيادات رفيعة في الجيش والشرطة بالتزامن مع الأعياد القومية المقبلة. 
وتتزامن التشديدات الأمنية الأمنية مع غليان شعبي بسبب التدهور الاقتصادي الحاد وهبوط قيمة العملة المحلية، فضلاً عن السخط العام من تخصيص الحكومة لثلث الطاقة الكهربائية للدولة لصالح شركات تعدين "البيتكوين" الأجنبية لتوفير السلاح على حساب الاحتياجات اليومية للمواطنين.

لا يمكن فهم المشهد الدامي الحالي في إثيوبيا بمعزل عن إرثها التاريخي المعقد؛ فالبلاد تتكون من 80 مجموعة عرقية. تعود جذور الأزمة المعاصرة إلى عام 1991، عندما نجحت "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" في قيادة تحالف عسكري أطاح بنظام "الديرج" المستبد. وعقب صعودها للسلطة، صاغت الجبهة دستوراً عام 1995 أسس لنظام "الفيدرالية العرقية"، الذي قسّم البلاد إلى أقاليم على أساس الهوية العرقية، مع منح كل إقليم حق تقرير المصير والانفصال. ورغم أن هذا النظام منح حكماً ذاتياً للأعراق، إلا أنه زرع بذور شقاق دائم وعمّق الانقسامات المجتمعية، واستأثرت عرقية التيجراي (التي تمثل نحو 6% فقط من السكان) بالمناصب الأمنية والاقتصادية الحساسة لعقود، مما ولّد احتقاناً لدى العرقيات الأكبر كالأورومو والأمهرة.
وتحللت هذه الصيغة السياسية في عام 2018 عقب موجة احتجاجات شعبية عارمة قادت إلى صعود آبي أحمد كأول رئيس وزراء من عرقية الأورومو في إثيوبيا. وتبنى آبي أحمد مشروعاً سياسياً جديداً يقوم على فكرة "الاندماج الوطني" وتفكيك سطوة النخب العرقية القديمة، فدمج الأحزاب الإقليمية في "حزب الازدهار" الواحد، وهو ما اعتبرته جبهة تيجراي محاولة لإقصائها وتقويض النظام الفيدرالي الدستوري لصالح حكم مركزي.  وهو  ما فجر حرب عام 2020، وهو ذاته الذي يتجدد اليوم بصورة أعنف مهدداً بتحويل إثيوبيا إلى دويلات متناحرة.

تم نسخ الرابط