و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

الموجة الزرقاء الأمريكية والهاوية التي تنتظر الشرق الأوسط:

انتهت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في الثالث من نوفمبر 2026 بنتائج لم تكن مجرد مفاجأة انتخابية، بل زلزالاً سياسياً حقيقياً. سيطر الديمقراطيون على مجلسي النواب والشيوخ في ما وصفته وسائل الإعلام العالمية بـ«الطوفان الأزرق». فازوا بأغلبية واضحة في مجلس الشيوخ بلغت نحو 54 مقعداً مقابل 44 للجمهوريين، وحققوا مكاسب واسعة في مجلس النواب، حولت الرئيس دونالد ترامب إلى «بطة عرجاء» خلال السنتين المتبقيتين من ولايته.

قبل الاقتراع، كانت التوقعات تدور بين احتمالين فقط: إما احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في الغرفتين، أو على الأقل في مجلس الشيوخ، أو انتصار ديمقراطي محدود. كلا الخيارين كان «أحلاهما مُرّ» بالنسبة للمنطقة العربية، لكن ما حدث تجاوز كل التوقعات، وفتح الباب أمام سيناريو أكثر قتامة مما كان يتخيله كثيرون.

لو استمرت سيطرة الجمهوريين، لكان ذلك يعني استمرار سياسات ترامب الخارجية بوتيرة جامحة: المطالبة العلنية بضم كندا كولاية أمريكية، والحديث المتكرر عن ضم غرينلاند، والاستخفاف بسيادة الدول، واحتقار الزعماء، والاستمرار في الحرب المفتوحة مع إيران، واستنزاف دول الخليج، ومنح إسرائيل شيكاً على بياض للعربدة في المنطقة. شيكاً يُموّل من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين، حتى على حساب رفاهية المواطن الأمريكي العادي. شيكاً يسمح بالاستمرار في عمليات التطهير في غزة والضفة، والاعتداء على لبنان وسوريا والعراق وإيران، دون أي رادع حقيقي.

لكن الموجة الزرقاء غيّرت المعادلة. الانتصار الديمقراطي الساحق سيقيد فعلاً حرية ترامب في التصرف الداخلي. الكونغرس الجديد سيكون قادراً على عرقلة كثير من قراراته، ومراقبة ميزانياته، وتعطيل تعييناته. غير أن هذا التقييد الداخلي قد يدفعه إلى البحث عن متنفس خارجي سريع وحاسم قبل أن تضيق عليه الدائرة تماماً.

الانقسام الأمريكي العميق والخطر القادم من الداخل

داخلياً، لا يبدو المشهد أفضل. الحزب الديمقراطي منقسم على نفسه بشكل خطير. جناح منه يتبنى أجندة اجتماعية متطرفة في نظر قطاع واسع من الأمريكيين: حرية تغيير الجنس، ودعم الإجهاض دون قيود تُذكر. هذه القضايا كانت من أبرز أسباب صعود ترامب سابقاً، وستظل وقوداً للاستقطاب. في الوقت نفسه، أفرزت الانتخابات نواباً من أصول عربية وإسلامية، وهو تطور تاريخي، لكنه يعمق الشعور بالتهديد لدى القاعدة الجمهورية التقليدية.

الأسوأ أن الحزب الديمقراطي نفسه منقسم حول إسرائيل. فريق يعتبر ما حدث في غزة إبادة جماعية ويطالب بمحاسبة نتنياهو كمجرم حرب، وفريق آخر يظل أسير العلاقة التاريخية مع اللوبي الإسرائيلي. هذا الانقسام، مقترناً برد فعل جمهوري غاضب وشعور بالتهميش والخيانة لدى قاعدة ترامب، يغذي حالة من الاستقطاب المجتمعي الحاد؛ حالة قد لا تبقى محصورة في الجدل الإعلامي والسياسي، بل قد تتطور إلى اضطرابات داخلية واسعة، وربما تصل في أسوأ الاحتمالات إلى حافة حرب أهلية بطيئة.

الجمهوريون من جهتهم لم يعودوا مجرد حزب معارض. جزء كبير من قاعدتهم يرى في الموجة الزرقاء مؤامرة، وفي الديمقراطيين خصوماً وجوديين. العنصرية ضد الملونين، وخاصة العرب والسود، والتعصب ضد المسلمين، لم تختفِ، بل ازدادت حدة بعد الهزيمة. والنتيجة المتوقعة مجتمع أمريكي أكثر انقساماً، وأقل قدرة على إنتاج سياسة خارجية مستقرة.

السيناريو الكارثي: الأسد الجريح والحرب قبل يناير

هنا يبدأ السيناريو الأخطر. ترامب الآن في وضع «الأسد الجريح». الكونغرس الجديد لن ينعقد فعلياً قبل الثالث من يناير 2027. أمامه نحو شهرين فقط من الحرية النسبية. في هذه النافذة الضيقة، قد يرى أن الوقت مناسب لتحقيق «نصر» سريع على إيران قبل أن تتقلص صلاحياته بشكل دراماتيكي.

المواجهة مع إيران مستمرة منذ شهور طويلة. الأسلحة التقليدية والضربات الجوية والعقوبات والعمليات غير المباشرة لم تحقق أي انتصار حاسم. نتنياهو ليس في وضع أفضل، فهو أيضاً بحاجة إلى نتيجة واضحة يفلت بها من الضغوط الداخلية والخارجية. في هذه الظروف، يصبح خيار التصعيد الكبير وارداً بقوة، بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن القرار قد يُتخذ خلال أيام، وربما ساعات، لا خلال أشهر.

ولأن الوسائل التقليدية فشلت، فإن الخيار الأكثر خطورة يصبح مطروحاً: استخدام أسلحة نووية تكتيكية على نطاق محدود، أو ما يُسمى بـ«القنبلة القذرة»، سلاح يهدف إلى كسر الإرادة الإيرانية وفرض واقع جديد بالقوة قبل أن يفقد ترامب القدرة على اتخاذ مثل هذا القرار.

إذا حدث ذلك، فلن تكون الاستجابة الإيرانية ضعيفة. ستصبح أراضي إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة في مرمى الصواريخ الإيرانية الباليستية والمسيّرة، ولن تسلم دول الخليج من التداعيات المباشرة. إغلاق مضيق هرمز بالكامل سيكون شبه مؤكد، وقد ينضم الحوثيون إلى المعادلة بإغلاق باب المندب.

النتيجة الفورية: ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات كارثية قد تتجاوز 150 دولاراً للبرميل، وربما تصل إلى أرقام أعلى في حال استمرار الإغلاق.

هذا الارتفاع لن يكون مجرد رقم في البورصات. سيأكل التضخم اقتصادات الدول النامية ويضرب أوروبا في مقتل، ويعطل سلاسل الإمداد بين الشرق والغرب. الدول الأوروبية التي تعاني أصلاً من احتجاجات داخلية قد تضطر إلى التدخل عسكرياً لتأمين إمدادات الطاقة. وفي هذه الفوضى، قد تستغل روسيا الوضع لفرض سيطرتها الكاملة على أوكرانيا. عندها لن تقف ألمانيا وبريطانيا ودول أخرى مكتوفة الأيدي، فندخل في دوامة حرب عالمية حقيقية لا مجرد صراع إقليمي.

التاريخ يعيد نفسه: أمثلة من مغامرات الضعف السياسي

التاريخ مليء بأمثلة على قادة لجأوا إلى مغامرات خارجية في لحظات الضعف السياسي الداخلي، بحثاً عن نصر سريع أو تحويل للانتباه عن أزماتهم.

في عام 1982، كانت الطغمة العسكرية في الأرجنتين تعاني من أزمة اقتصادية خانقة وفقدان للشرعية الشعبية بعد سنوات من القمع، فاختارت غزو جزر فوكلاند (المالفيناس) البريطانية، ظناً منها أن الحرب القصيرة ستوحد الشعب خلفها. انتهت المغامرة بهزيمة مذلة وسقوط النظام العسكري بالكامل.

وفي عام 1990، كان صدام حسين يواجه تبعات الحرب الطويلة مع إيران، واقتصاداً مدمراً وديوناً ضخمة وضغوطاً داخلية متزايدة، فقرر غزو الكويت، معتبراً أنها فرصة سريعة لحل أزماته وفرض نفسه كلاعب إقليمي. انتهت المغامرة بتدمير الجيش العراقي وحصار طويل وحروب متلاحقة دمرت العراق لعقود.

هذه الأمثلة ليست بعيدة عن المنطق الذي قد يدفع قائداً مثل ترامب في وضع «بطة عرجاء» إلى البحث عن نصر خارجي سريع قبل أن تضيق عليه الخيارات. والفرق اليوم أن الأسلحة المتاحة أكثر تدميراً، والرقعة الجغرافية أشد اشتعالاً، والثمن العالمي أعلى بكثير.

بالنسبة للدول العربية، ستكون الخسائر مباشرة وقاسية. دول الخليج ستجد نفسها في قلب المعركة لا على هامشها؛ فسلاسل إمداداتها ستتوقف، والمياه ستنقص بشكل مرعب، والغذاء أيضاً. القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها ستتحول إلى أهداف محتملة، مما يضع هذه الدول أمام خيارات مستحيلة: إما الاصطفاف مع واشنطن وتحمل رد الفعل الإيراني، أو محاولة النأي بالنفس في وقت لم يعد فيه النأي ممكناً.

أما مصر، التي تعاني أصلاً من أزمة اقتصادية مزمنة، فستتأثر بشدة. إغلاق باب المندب سيرفع تكلفة الواردات، وارتفاع أسعار المحروقات سيضغط على الموازنة، وتراجع تحويلات العاملين في الخليج سيضرب أحد أهم مصادر العملة الأجنبية. النتيجة المتوقعة تفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل قد يهدد الاستقرار الاجتماعي.

الموجة الزرقاء الأمريكية قد لا تكون سوى مقدمة لعاصفة أكبر وأكثر تدميراً في الشرق الأوسط. عاصفة إذا اندلعت فلن تبقي ولن تذر.

استعدوا لما هو أسوأ، خزنوا الأكل والماء، واحتفظوا ببعض السيولة في بيوتكم، ونسأل الله أن يجنب العالم هذا السيناريو الكارثي، وأن يلهم صناع القرار الحكمة والعقل، وأن يحفظ المنطقة وشعوبها من ويلات الحروب والدمار، إنه على كل شيء قدير.

تم نسخ الرابط