أهم ما فى الانتخابات النصفية الأمريكية الأخيرة ، أن لعنة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطينى طاردت الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" إلى حتفه السياسى ، وأن موالاة كيان الاحتلال الإسرائيلى بدت وصفة مضمونة للسقوط فى انتخابات التجديد النصفى لمجلسى النواب والشيوخ الأمريكيين ، وهو ما لم يكن مفاجئا تماما ، وإلى حد أن ترامب شخصيا ، حاول إنقاذ حزبه الجمهورى صبيحة يوم الانتخابات ، التى اعتبرها عن حق أهم محطة فى حياة أمريكا السياسية ، ولم يجد ترامب من خشبة إنقاذ ، سوى التظاهر بعزمه إيقاف المساعدات المالية السنوية إلى إسرائيل ، وقدرها أربعة مليارات دولار ، ومن دون أن يصدق عاقل زعمه البهلوانى ، فقد سبق له أن دفع إلى الكونجرس بموازنة دفاع أمريكية ، تتضمن دمج وإشراك الجيش "الإسرائيلى" فى خطط وموازنات التطوير الحربى ، ولم يؤد الخداع المكشوف إلى نفع إنتخابى ما لحزب "ترامب" ، فقد سقط "الجمهوريون" بطريقة مروعة ، وحقق "الحزب الديمقراطى" المعارض اكتساحا ، لم تتوقعه استطلاعات الرأى ، وقد توقعت بعضا مما جرى ، لكن الفوز الديمقراطى كان فوق التوقعات ، ولم يتحقق مثله من عشرات السنوات ، وخسر الجمهوريون معاقلهم التقليدية فى تكساس وأركنساس وغيرها ، ولم تفلح مليارات الدولارات ، التى أنفقها إيلون ماسك واللوبى الصهيونى "أيباك" فى صد الزحف الديمقراطى الكاسح .
وكانت الطامة الكبرى التى لحقت "ترامب" وحزبه فى ولاية ميتشجان، حيث تحقق الفوز المثير للأمريكي من أصل عربى مصرى عبد الرحمن السيد عبدول ، الذى قامت دعايته الرئيسية على مبدأ توفير الرعاية الصحية للجميع ، ومن أموال دافعى الضرائب الأمريكية التى تقدم للكيان الإسرائيلى ، وإدانة الإبادة الجماعية للفلسطينيين التى شاركت بها أمريكا ، وبدا عبد الرحمن السيد الذى نجح فى الفوز بمقعد فى مجلس الشيوخ ، وكأنه نسخة مضافة من زهران ممدانى ، الذى اقتنص موقع عمدة نيويورك ، وكما أعلن ترامب مرارا عداوته الزاعقة لممدانى ، فقد كرر الحالة نفسها ضد عبدول ، وصرف الأيباك الصهيونى مئات ملايين الدولارات لإسقاط عبد الرحمن السيد ، لكن البطاقة الاجتماعية والفلسطينية التى تقدم بها عبدول إلى ناخبيه ، ضمنت له الفوز فى النهاية ، تماما كما خدمت آخرين من نفس تياره التقدمى فى الحزب الديمقراطى ، وقلبت المعادلة التقليدية فى الحياة السياسية الأمريكية ، التى كانت مسلمة راسخة لعشرات السنوات ، وفحواها أنه لاصوت يعلو على صوت إسرائيل ، التى انقلبت إلى العكس تماما فى فترة ما بعد مذابح غزة وصمودها الأسطورى ، وصرنا أقرب بالتدريج إلى معادلة تحل محلها فى إطراد ، وهى أنه لاصوت يعلو على صوت حق فلسطين وحريتها ، وهو ما دعمه التصويت النشط للعرب الأمريكيين فى الانتخابات النصفية الأخيرة ، والفوز المتجدد لرموز شابة من أصول عربية وفلسطينية ، كما جرى مع عبد الرحمن السيد وآدم الحموى ورشيدة طليب ذات الأصل الفلسطينى ، وغيرهم الكثير الكثير من أصول عربية ومسلمة وأفريقية ولاتينية .
وإضافة للفوز الرمزى الفلسطينى اللافت ، كان لإيران نصيب ظاهر ، وما بين إيران وفلسطين علاقة عروة وثقى ، فقد تقدمت إيران وثورتها الإسلامية إلى الرأى العام ببطاقة العداء لكيان الاحتلال الإسرائيلى ونصرة الحق الفلسطينى ، منذ بدأ الإمام الخمينى بإغلاق فورى لسفارة إسرائيل فى طهران ، وجعل مبناها سفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وظلت إيران الجديدة داعما رئيسيا ـ ربما وحيدا ـ بالمال والسلاح لجماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية وغيرها ، وإلى أن صارت رأسا لجبهة المقاومة ضد إسرائيل وأمريكا فى المنطقة ، وإلى أن كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الهمجية الجارية على إيران ، وقد أبدت فيها إيران صمودا مذهلا ، وحطمت هيبة أمريكا فى العالم ، وأحبطت خطة تحويل الشرق الأوسط إلى طبعة بسيادة إسرائيلية ، وفهمت أن الحرب فى جوهرها ، هى حرب إسرائيلية بجيوش أمريكية بينها جيش الاحتلال الإسرائيلى نفسه ، وطورت تكتيكها الحربى والسياسى ، وجعلتها حرب استنزاف طويلة للقوة الأمريكية الإسرائيلية، وطورت أسلحتها وصواريخها ومسيراتها التى تصنعها ذاتيا ، وحصلت على دعم تقنى متزايد من الحلفاء فى روسيا والصين ، وتستعد للجولة الجديدة من الحرب التى تمضى فى شهرها التاسع ، والتى يرفع ترامب مع وسواسه الخناس بنيامين نتنياهو فيها شعار إسقاط النظام الإيرانى ، الذى بدأت به الحرب صباح 28 فبراير 2026 ، وهو هدف غير قابل للتحقق مع الهجمة الجديدة ، التى يعد بها الخاسرترامب، الذى جعل من نفسه عبدا وخادما مطيعا لهذه الإسرائيل، وقال تعليقا على هزيمة حزبه المريعة فى انتخابات التجديد النصفى الأخيرة ، أن إيران هى السبب ، وأن زيادة أسعار البنزين والديزل فى الداخل الأمريكى كانت بسبب إيران وإغلاقها لمضيق هرمز ، بينما تصرف قادة إيران برصانة ، وأعلنوا أنهم لا يهتمون بالتقلبات الحزبية فى الداخل الأمريكى ، وأنهم يعدون لرد شامل غير مسبوق على الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجديدة ، التى يعتبرها ترامب انتقاما لهزيمته الانتخابية مع حزبه ، ويعجل بها قبل تولى وتنصيب مجلسى الكونجرس بتشكيله الجديد أوائل يناير المقبل .
ومهما فعل ترامب وحتى لو ضرب إيران بالقنابل النووية فلن يفلح ، ولا شئ مستبعد عند الأمريكى القبيح البشع ، وقد فعلها الأمريكيون فى هيروشيما ونجازاكى اليابانيتين بنهاية ما أسمى الحرب العالمية الثانية ، لكن المشهد العالمى مختلف اليوم ، والدنيا تمر بمرحلة عبور من هيمنة القطبية الأمريكية الأحادية إلى عالم تعدد الأقطاب ، وإقدام ترامب على الحماقة النووية ، قد يدفع آخرين لتفكيك القيود ، وقد تلجأ روسيا وهى القوة النووية الأعظم اليوم ، إلى استخدام قنابل نووية تكتيكية فى حرب أوكرانيا ، وقد تطلق يد كوريا الشمالية لاستخدام قوتها النووية ضد كوريا الجنوبية ، أو حتى ضد اليابان ، وهو ما قد يعنى إشعالا متعجلا لحرب عالمية ثالثة ، تدمر الأخضر واليابس فى الكون كله، ولن تكسبها أمريكا أبدا ، إضافة لتوفير مبرر مباشر لإيران فى التعجيل بصناعة قنابلها الذرية ، وإنهاء سيرة التفاوض على برامجها النووية .
ومع الكونجرس الجديد بأغلبيته الديمقراطية المتحفزة ، سوف يتحول ترامب فى سنتى رئاسته الباقيتين إلى بطة عرجاء ، حتى لو لم تتوافر للديمقراطيين أغلبية الثلثين فى مجلس الشيوخ اللازمة لعزله من الرئاسة ، لكن الديمقراطيين يخططون لحصار ترامب وفضحه ، وكشف فساد عائلته ومليارديراته ، ربما عبر جلسات استماع وتحقيق ومحاسبة ، ومنع التمويل اللازم لحروبه فى إيران وغيرها ، وربما حجب التمويل لميزانية الحكومة الأمريكية ، وإدخال واشنطن فى دوامات إغلاق حكومى تشل عمل إدارة ترامب، الذى اعترف مبكرا بالهزيمة ، وقال أنه سيتعاون مع الكونجرس الديمقراطى ، وإن واصل التخبط ، وأعلن عزمه استخدام حق الفيتو لإبطال قرارات الكونجرس ، وهو ما قد يعنى المزيد من الحروب الداخلية بين الكونجرس والرئيس ، الذى يحس بدنو أجله الرئاسى قبل الأوان الدستورى ، وإلى حد أنه قال مهتاجا مع صدمة هزيمته مع حزبه ، أنه إذا كان الأمريكيون أصابهم الملل من وجوده ، فإنه سيذهب إلى إسرائيل ويصبح رئيسا للوزراء هناك ، وهكذا يواصل ترامب هلوساته ، فقد يقبل به الإسرائيليون كخادم لكيانهم فى البيت الأبيض ، لكنهم لا يقبلون به رئيسا لوزرائهم ، ولديهم من المجانين ما يكفى .
ترامب والبيت الأبيض
والأخطر أن أى شخص قد يرشحه ترامب لخلافته فى البيت الأبيض ، ربما يخسر بسبب لعنة رئيسه ، وهو ما قد يلقى بظلال على المقربين من ترامب فى إدارته الحالية ، وبالذات من يطمح منهم فى الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2028 ، أمثال نائبه جى.دى.فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو ، وقد يلجأ هؤلاء للابتعاد عنه ، ومعاملته كمصاب بداء الجرب السياسى ، وقد بلغت به النذالة تحميل مرشحيه من الحزب الجمهورى ذنب سقوطهم ، وبلغت به عوارض "التبجح" للقول ، أنه لو كان مرشحا على تذاكر الانتخابات لكان الحزب الجمهورى حقق فوزا كاسحا ، وتناسى أنه حضر وتكلم فى أغلب المؤتمرات الانتخابية لمرشحيه ، وقال للناخبين بوضوح ، أن اعتبروا اسمى وصورتى موجودان على تذاكر الانتخاب ، ونفذ الناخبون ما طلب بالحرف ، وأداروا ظهورهم لمرشحيه ، وأسقطوهم إكراما لسيرته الموبوءة ، واستذكارا لسلاسل أكاذيبه التى لا تنتهى ، وكان بعضهم قد صدق وعوده بإنعاش الاقتصاد ، وعدم إدخال أمريكا فى حروب جديدة ، ثم وجدوا أن جبال الأوهام سقطت وانهارت ، وكان تصويتهم انتقاما منه قبل مرشحيه ، وهو ما يترك العظة والعبرة للطامحين فى خلافته ، وأن عليهم أن يبتعدوا عنه قبل أن يذهبوا بوبائه ، وقد بادر فانس بالابتعاد سياسيا حتى قبل هزيمة ترامب فى الانتخابات النصفية الأخيرة ، وصنع لنفسه هامشا من استقلال نسبى ، وهاجم إسرائيل ، ودعا إلى التفاوض مع القادة الإيرانيين بدلا من مواصلة نهج الحرب الخاسرة أمريكيا .




