كانت ومضة في حياتي حين استمعت لطموح الكاتب الكبير أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، وهو يريد أن يتبنى عملا يظهر فيه تراث الإمام الكبير الليث بن سعد 94 - 175هـ / 713 – 791م ، الفقيه المصري الذي ظلمه تلاميذه حين لم يدونوا آراءه الفقهية واجتهاداته الأصولية .
الليث بن سعد .. نبت مصري الإثمار، من أبناء القليوبية، فطاوعتني نفسي لتبني هذا العمل، وأتابع ميلاده حتى أصبح في يد أهل العلم.
لقد أنتابنى شيء من الحزن لأن فقيها كبيرا من أرض مصر قد تلاشت آراؤه وفتاواه على جميع الأصعدة، لقد قرأت قول الإمام الشافعي: ( إن الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن تلاميذه ضيعوه ) .. وسألت أهل العلم ممن عرفتهم فأكدوا لي أن الإمام الشافعي قد تتلمذ في مكة ورحل للمدينة فدرس فقه مالك ثم رحل إلى العراق فدرس فقه الإمام أبي حنيفة ثم نزل إلى مصر ، ولكي يقول قولته المادحة عن الليث بن سعد فلا بد وأن يكون درس آراء الليث الفقهية وتعرفها بدقة، وبناء عليها رجح كفة الليث بن سعد على فقه الإمام مالك.. بمعنى أخر فإن كان أئمة الفقه أربعة فإن الليث بن سعد هو خامسهم.
إحياء تراث الليث
وبفضل مجالستي لأهل العلم من الأصدقاء والعلماء عرفت منهم أن الليث قد سافر إلى الحجاز والعراق ليلتقي أهل العلم هناك ، وجمع تراثا علمياً كبيرا، وكان بينه وبين الإمام مالك مراسلات استخلص منها أهل العلم كنوزا فكرية وفقهية طالما أفادت الأجيال، ولما كان معظم ما جمعه قد ضاع، فكان جمع مروياته بالنسبة لي من الأعمال الجليلة .
ولا أنكر أن القلق قد تمكن مني في فترات كثيرة، فجمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالعمل الهين .. لقد أزعجني القلق إذا تعثر سير العمل.. ويكمن شعوري في أني أتوق إلى عمل صالح أقدمه للناس ينفع به أهل العلم، وتكون صدقتي الجارية التي انتفع بها يوم اللقاء.
لقد أسعدني هذا العمل ليس لكونه من الأعمال العلمية الخالدة فحسب بل لأنه صاحب رؤية من نبت مصر وبيئتها العلمية المثمرة منذ أن نزلها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وملاؤها علماً وحضارة وفقها وتفسيراً .. وحولوها مشاعل علم ودعوة.. لقد كان الليث ممن حفظ لمصر وسطيتها العلمية والفكرية.. إن هذا الجامع لأسانيد الليث بن سعد ولد ليبقى.
ولا شك أن الأعمال الخيرية موصولة ، وبها تُبنى الحضارة ، لذا تذكرت حوارا دار بين أهل العلم سمعته بقلبي قبل أذني.. ذهب فيه بعض أهل العلم لكراهية الوقف حتى لا تضيع حقوق الوارثين، ورأيت أن الليث بن سعد ذهب لاستحباب الوقف والحض على القيام بالأعمال الخيرية كصدقة جارية بشرط ألا تضر بالورثة، فارتاح قلبي لهذا الرأي.. وكأن الليث بن سعد يناشدني لعمل الخير الدائم .
ولقد أوقف كثير من أهل الخير على أعمال تحصيل العلم وعلاج المرضى، والإنفاق على الفقراء والمساكين .. حتى ورث محبو الخير على بناء المستشفيات والمدارس، والأسبلة .. وغير ذلك .. ورحم الله الليث بن سعد، وكل من يبني صرحا خيرا في مصر مادياً كان أو معنوياً




