آثار إسلامية مهملة
مسجد ميرزا.. تحفة أثرية بوكالة البلح و«الآثار» و«المحافظة» يتبرءان من مسؤلية إهماله
في قلب وكالة البلح بحي بولاق أبو العلا يقع مسجد ميرزا الأثري الذي بناه الأمير العثماني مصطفى جوربجي ميرزا، ويعود تاريخ إنشائه أول مرة لعام 1332م – 737هـ ، الذي تحولت جدرانه مع مرور الوقت إلى شماعات لتعليق الملابس والبضائع المعروضة للبيع.
ولا يعرفون الكثير عن هذا الكيان الأثري غير أن مظهره الرائع وتصميمه الذي يعيد الروح إلى عبق التاريخ، يلفت أنظار الجميع، ما يدفعهم للسؤال عن اسمه وتاريخ هذا الأثر، إلا أن معظم من يعلقون بضاعتهم على جدرانه لا يعرفون حتى اسمه رغم ما يحتله من مكانة عظيمة في قائمة الآثار الإسلامية الشهيرة في القاهرة
وتعددت الروايات التاريخية بشأن تاريخ نشأة مسجد ميرزا على وجه التحديد إلا أن أكثرها دقة يذهب إلى أنه بني على أكثر من مرحلة، الأولى أيام الناصر محمد بن قلاوون على يد عز الدين الخطيري وكان ذلك عام 1332م لكن سرعان ما تهدمت جدرانه بسبب فيضان النيل الذي غمر المسجد عن آخره.
وبحلول عام 1403 وصل مسجد ميرزا إلى مرحلة من الإهمال غير مسبوقة، حيث سقط في الرمال التي غطته حتى اقتربت نوافذه من الأرض، ليأتي الشيخ رمضان البولاقي بإعادة بنائه مرة أخرى ليقيم فيه الشعائر الدينية مجددًا ويفتحه أمام المصلين والرواد.
ثم جاء الأمير العثماني مصطفى ميرزا عام 1698 ليعيد بناءه مجددًا بعدما نهش الإهمال في عظم المسجد الذي تحول إلى قبلة مئات المسلمين الذين كانوا يرون في هذا الكيان قبلة العلم والعلماء، خاصة أنه كان يضم كوكبة من كبار محفظي القرآن وعلوم الدين، فيما تم تزويده بمكتبة هائلة تضم أمهات الكتب والمؤلفات في مختلف المجالات.
وظل مسجد ميرزا على وضعيته تلك إلى أن افتتحه محافظ القاهرة ووزير الآثار، في يونيو 2013 بعد إجراء أعمال تطوير شملت المسجد وملحقاته، استمرت قرابة 4 سنوات كاملة، وبلغت كلفتها 27 مليون و250 ألف جنيه، ليدخل المسجد حيز الأضواء مرة أخرى بعد تجاهل دام طويلا.
وفي مدخل مسجد ميرزا هناك لوحة نحاسية يعلوها التراب مكتوب عليها كلمة “أثر” وهي تعني أن هذا المسجد مسجل في قائمة المناطق الأثرية في مصر ويحمل رقم (343) في سلسلة آثار غرب القاهرة، أي أنه تابع لوزارة الآثار المعنية بعناية تلك المناطق من الإهمال وحمايتها من الاندثار.
المسجد من الأنواع المعلقة، أي تلك التي تبنى في منطقة مرتفعة ويتم الدخول لها عبر سلالم أسمنية محاطة بالرخام المغطى بالأتربة، ويتخذ شكلا هندسيا على هيئة “مستطيل” يتوسطه صحن كبير مبني من الرخام المزخرش برسوم هندسية دقيقة للغاية، تكاد لا ترى إلا لمن يقترب منها ويلامسها.

ويحاط صحن المسجد بالعديد من الأروقة من كل الجهات، تعكس فيما بينها لوحة فنية رائعة، ورغم ما بها من آثار عوامل التعرية وبعض الخدوش البسيطة، لا تزال تحافظ على رونقها وتحديها لآلة الزمن السريعة وتجاعيده الزمنية التي إن أثرت على المظهر الخارجي لكن تبقى الأصالة عبيرًا يفوح من بين ثنايا جدرانه.
وأكثر ما يميز المسجد تلك المئذنة الشاهقة المبنية على الطراز العثماني الأصيل، وفي أسفلها هناك رواق القبة، وهو الأكبر بين أروقة المسجد وأعمقها على الإطلاق، إذ يتوسطه محراب مجوف تمت زخرفته بالصدف والرخام والفسيفساء، التي أعطته رونقًا قلما تجده إلا في المساجد المبنية على الطراز العثماني.
وعلى يمين القبة هناك منبر خشبي مصنوع من أجود أنواع الأخشاب، ورغم إدخال بعض التعديلات والترميمات على بعض شقوقه التي تأثرت بفعل الإهمال، فإن المنبر لا يزال بحالته القديمة، مزخرف بالخرط على جنباته وفواصله بأيات من القرآن الكريم.
نتيجة لعوامل التعرية على مدار مئات السنين فقد المسجد العديد من البلاطات الخزفية والقطع الرخامية التي كانت تزين جوانبه

ونتيجة لعوامل التعرية على مدار مئات السنين فقد المسجد العديد من البلاطات الخزفية والقطع الرخامية التي كانت تزين جوانبه، هذا بجانب حاجة جدرانه للترميم بعدما نخر الإهمال في جسدها.
إهمال مع سبق الإصرار
"من العار أن تظل هذه التحفة الأثرية وسط هذا الكم من العشوائية".. هكذا علق أحمد العمروسي، صاحب أقدم محل صناعة الأواني النحاسية في بولاق أبو العلا، والساكن على مقربة من المسجد، لافتًا إلى أنه رغم تجديد المسجد قبل سنوات، فإن سرطان الإهمال أصابه مرة أخرى.
وأضاف العمروسي أن جدران المسجد تحولت إلى أماكن لتعليق الملابس الجاهزة المبيعة على قارعة الطريق الرئيسي والشوارع الجانبية، وفي بعض الأيام حين يشتد الازدحام يتوارى المسجد تمامًا فلا تكاد تراه من ستائر البضائع التي حجبت الشمس عن هذا الكيان الأثري العظيم.
وألمح إلى أن الجهاز المحلي (البلدية) رغم مروره شبه اليومي لإزالة تلك الملابس من على جدران المسجد لكن سرعان ما تعود مرة أخرى بعد انتهاء مروره الذي بات معروف الوقت بالنسبة للباعة فيلملمون بضاعتهم قبل مجيئه ثم يعيدون تعليقها مرة أخرى.
الأمر لم يتوقف على الملابس فقط، بل إن المسجد من بعض جدرانه تحول إلى أماكن لإلقاء القمامة وبيوت لقضاء الحاجة لكثير من العمال والمارة، وهو ما أثر بشكل واضح على أسفل جدران المكان الذي بات مهددًا بسقوط لبناته الأثرية التي رممت مؤخرًا.

وهناك تهرب واضح من تحمل مسؤولية ما وصل إليه هذا الإهمال لهذا الأثر التاريخي من الأجهزة المختصة، فالمنطقة الغربية للقاهرة بصفتها الجهة الإدارية التنفيذية الواقع المسجد تحت إدارتها تشير إلى أن دورها يقتصر على الاهتمام بالمناطق المحيطة بهذا الأثر، أما البنيان ذاته فهو من سلطة وزارة الآثار
يتهرب الجهاز المحلي البلدية، ومسؤولو الآثار من تحمل مسؤولية صيانة المسجد، حيث تقتصر جهود المحافظة على التنظيف الظاهري للمحيط، بينما يتبع المسجد كأثر لوزارة السياحة والآثار.
ومما ساعد في اهمال المسجد الأثري صدور القرار رقم 10 لسنة 2022 الصادر عن وزارة السياحة والآثار، والذي يقضي بشطب المسجد من سجلات الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، وهو ما أثار استنكارا واسعا، خاصة بعد أن كان قد تم ترميمه سابقا بتكلفة عالية.
والعديد من مفتشي الآثار والمهتمين بالتاريخ الإسلامي ناشدوا بضرورة التنسيق بين محافظة القاهرة ووزارة السياحة والآثار بالتنسيق والتعاون من أجل رفع المخلفات حول المسجد وإزالة الملابس المعلقة على جدرانه وأن يحاط بسياج حديدي لحمايته وأن يتم فتحه مجددا أمام الزوار حماية له وتعظيمًا وتسويقًا لهذا الأثر الذي يسبق بناءه الكثير من الحضارات التي يحتفي بها العالم اليوم.
كما يُطالب خبراء الآثار بضرورة التدخل السريع للإنقاذ، وإعادة تسجيله، وإزالة التعديات لحماية هذا الأثر النادر من الاندثار.








