و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

هناك مواعيد في الحياة نذهب إليها بخطواتنا، وهناك مواعيد تساق إليها أرواحنا شوقا قبل أن تتحرك أقدامنا، ومن بين كل المواعيد يبقى الموعد مع الله هو الأصدق، والأعمق، والأبقى أثرا في القلب،  وها أنا ذا، أستعد لزيارة الكعبة للمرة الثالثة في حياتي، وكأنني لم أزرها من قبل؛ فكل لقاء بها هو ميلاد جديد للروح، وكل طواف حولها هو دورة كاملة من الصفاء تغسل ما علق بالقلب من غبار الأيام.

في المرة الأولى، كنت مبهورًا بعظمة المشهد، مأخوذا بهيبة المكان، أبحث عن نفسي بين الجموع، وفي الثانية، كنت أكثر سكونا، أقرب فهما لمعنى أن تقف في حضرة بيت الله، حيث تتساوى الوجوه وتذوب الفوارق وتبقى الأرواح وحدها شاهدة على ضعفها واحتياجها،  أما اليوم، في رحلتي الثالثة، فأشعر أنني أذهب بقلب أكثر نضجًا، وأكثر شوقا، وأكثر إدراكا أن الإنسان لا يعود من مكة كما ذهب إليها أبدا.

وما يجعل هذا الموعد مختلفا أنه يأتي في شهر رمضان؛ شهر الرحمة والعتق والنور، في رمضان تتضاعف المعاني، ويعلو الإحساس بالقرب، وتصبح الدعوة همسًا مسموعًا في سماء مفتوحة، أن تطوف بالكعبة وأنت صائم، أن ترفع يديك في الحرم والقرآن يتلى، أن تسجد حيث سجد الملايين قبلك وهم يرجون المغفرة والقبول؛ تلك لحظات لا تقاس بالوقت، بل تقاس بما تتركه في القلب من طمأنينة وسلام.

الكعبة ليست مجرد بناء عظيم تتجه إليه الأجساد، بل هي قبلة للقلوب التائهة، ومرفأ للأرواح المتعبة، هناك، يشعر الإنسان بصغره أمام عظمة الخالق، ويكتشف أن كل ما كان يشغله في الدنيا أصغر من أن يحمل إلى ذلك المقام، هناك تتساقط الأقنعة، وترفع الأكف، وتسكب الدموع دون خجل، لأنك تقف أمام من يعلم السر وأخفى.

إنها ليست رحلة سفر، بل رحلة عودة، عودة إلى الفطرة، إلى الصفاء الأول، إلى اليقين الذي نحتاج أن نجدد عهده في كل حين، أذهب هذه المرة وأنا أعلم أنني لا أزور مكانا فحسب، بل أزور معنى، وأجدد عهدا، وأفتح صفحة جديدة بيني وبين الله.

هو موعد جديد لكنه في الحقيقة امتداد لوعد قديم بين العبد وربه: أن يعود كلما أثقلته الحياة، وأن يطرق الباب كلما ضاقت به السبل، وأن يثق أن باب الله لا يغلق أبدًا، أدرك أنني لا أعود من عند الكعبة كما يعود المسافرون من أسفارهم، بل أعود كأنني أُعيد ترتيبي من الداخل؛ كأن قلبي قد اغتسل بنور لا يرى، وروحي قد لبست بياضا لا يبهت، هناك، عند البيت العتيق.

 يتعلم الإنسان أن الطريق إلى الله ليس خطوات تعد، بل انكسارات تجبر، ودموع تسكب، ونوايا تولد من جديد، فإذا غادرت، فإن شيئا مني سيبقى معلقا بأستارها، وشيئا منها سيظل نابضا في صدري، يذكّرني كلما تعبت أن لي في السماء ربا، ولي في الأرض قبلة، ولي مع الله دائمًا… موعد لا ينقطع.

روح الأخوة

وفي هذا الموعد الجديد مع الله، لا أنسى أن أرفع دعائي للمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، أن يحفظ الله المملكة بالأمن والأمان، وأن يديم عليها الخير والبركات، وأن يجزي قيادتها خير الجزاء على ما تبذله من جهود عظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من كل فجٍ عميق، فكم من قلبٍ وجد سكينته بين جنباتها، وكم من دعوة ارتفعت إلى السماء من أرضها الطاهرة، وكم من روحٍ عادت منها أكثر قربًا ونقاءً ويقينًا.

كما تظل سفارة خادم الحرمين الشريفين في القاهرة نموذجا يحتذى في العمل الدبلوماسي الذي يجمع بين الرسمية وروح الأخوة الصادقة، بما تقوم به من جهود واضحة في ترسيخ العلاقات المتينة بين مصر والمملكة العربية السعودية، فقد أسهم حضورها الفاعل وحرصها الدائم على تعزيز جسور التواصل في توطيد روابط تاريخية راسخة تقوم على الاحترام المتبادل والمصير المشترك.

 وفي هذا السياق، يجيء الشكر مستحقا وعفويا لما تبذله من عناية واهتمام يعكسان عمق المحبة التي تجمع بين الشعبين الشقيقين، تلك المحبة التي تتجاوز حدود السياسة إلى رحابة الأخوة الصادقة، حفظ الله البلدين قيادةً وشعبًا، وأدام بينهما روابط الود والتعاون والخير.

اللهم اجعلها زيارة قبول لا وداع، ولقاء قرب لا فراق، واكتب لنا فيها ما يرضيك عنا، واجعلها بداية لمرحلة أصفى في العمر، وأقرب إليك في الطريق.

تم نسخ الرابط