الضجة قبل العرض: صرخة الأب قبل أي حلقة كلنا شاهدنا برومو مسلسل أب ولكن، والضجة التي أثارها جاءت قبل عرض أول حلقة. لم يكن السبب نجومية أبطاله أو حبكة تقليدية، بل لأنه فتح ملفًا اجتماعيًا حساسًا ظل مؤجلًا لسنوات: علاقة الأب بأبنائه بعد الطلاق، وحدود هذه العلاقة داخل الإطار القانوني القائم.
العنوان وحده صادم: «أب… ولكن»
أب، ولكن لا يعيش التفاصيل اليومية.
أب، ولكن لا يرى أبناءه إلا بموعد.
أب، ولكن وجوده مشروط بإجراءات.
الجملة التي تصدرت البرومو:
«عايزين نشوف عيالنا»
بدت كصرخة تتجاوز حدود الدراما. وفي المقابل، عبارة
«همسكه من إيده اللي بتوجعه» كشفت عن منطق صراع يتحول فيه الخلاف الزوجي إلى معركة. وبين الصرخة والرد، يقف الطفل في المنتصف، صامتًا، بينما يُعاد تشكيل مستقبله النفسي.
الأبوة بين القانون والواقع القضية هنا لا تتعلق باتهام امرأة أو تبرئة رجل، كما أنها لا تنطبق على جميع الحالات. لكن هناك شريحة من الآباء ملتزمون بالنفقة، يحترمون الأحكام القضائية، ويرغبون بصدق في المشاركة الفعلية في تربية أبنائهم، ومع ذلك يُختزل دورهم — في بعض الحالات — في “حق رؤية” لساعات محددة أسبوعيًا داخل مكان عام.
المشكلة ليست في الطلاق ذاته؛ فالطلاق واقع اجتماعي وارد. الإشكالية تبدأ حين تتحول الأبوة إلى بند في حكم قضائي، وحين يصبح الحضور الأبوي مقاسًا بزمن لا يتجاوز ساعات، لا يتيح مشاركة حقيقية في تفاصيل النمو أو القرارات اليومية.
هل تكفي هذه الساعات لبناء علاقة متوازنة؟. هل تحقق آليات الرؤية الحالية دائمًا مصلحة الطفل النفسية؟ أم أنها تكتفي بتطبيق النص القانوني دون النظر إلى أثره الممتد؟ نقد التشريعات القائمة قوانين الأحوال الشخصية في مصر وُضعت لحماية الأسرة بعد الانفصال، لكن أي منظومة قانونية تحتاج مراجعة دورية تواكب التغيرات الاجتماعية. طرح تساؤلات حول تطوير آليات الرؤية أو توسيع نطاق الاستضافة في بعض الحالات — وفق ضوابط واضحة — ليس هجومًا على القانون، بل محاولة لتعزيز عدالته.
الطفل في مواجهة صراع الكبار الطلاق ليس عيبًا، لكن تحويله إلى حرب هو العيب. والعدالة لا تعني انتصار طرف، بل حماية الأضعف من آثار الصراع. الخطر الحقيقي لا يكمن في الخلاف بين الزوجين، بل في انتقال هذا الخلاف إلى مساحة العلاقة الأبوية. حين يتحول الطفل — ولو بشكل غير مباشر — إلى وسيلة ضغط، فإن الخسارة تمتد إلى توازنه النفسي وصورته عن العلاقات مستقبلًا.
نقاش أكبر من مسلسل
مسلسل «أب… ولكن» لم يصنع الأزمة، لكنه أعاد طرح السؤال الذي يخشاه كثيرون: إذا انتهت العلاقة الزوجية، فهل ينبغي أن ينتهي معها الدور الحقيقي للأب؟ وكيف نضمن أن يبقى الطفل بعيدًا عن معارك الكبار، وأن تظل الأبوة مسؤولية مشاركة لا مجرد موعد رؤية؟ ويبقى أننا ما زلنا في انتظار عرض المسلسل وأحداثه كاملة، فالقضية أكبر من عمل درامي أو مقال يُكتب؛ إنها نقاش مجتمع بأكمله حول معنى العدالة، ومعنى أن تكون أبًا… ولكن.








