في كل مرة تتصاعد فيها جريمة ذات طابع جنسي، يعود السؤال ذاته:“أين التربية؟”، وكأن الوعي وحده كان سيغلق الباب تمامًا أمام الجرم، هذا الطرح مريح، لكنه ساذج التربية الجنسية ضرورة، نعم، لكن تحويلها إلى شماعة نعلّق عليها مسؤولية المنع الكامل للجريمة هو اختزال مخلّ للواقع، حيث أن التثقيف الجنسي يعلّم الطفل حدود جسده، ومعنى الموافقة، حقه في الرفض، وكيف يطلب المساعدة، مما يؤدي إلي بناء وعيًا يحميه من الاستغلال القائم على الجهل والخوف، وحينها يرفع منسوب الإدراك، ويقلل من فرص الصمت، لكن الجريمة لا تنشأ من الجهل فقط.
الاعتداء فعل يرتبط أحيانًا بالرغبة في السيطرة، أو بانحراف سلوكي، أو بثقافة تبريرية تتساهل مع المعتدي، أو بضعف الردع القانوني وهنا يصبح واضحًا، حيث أن المعلومة لا تُصلح ضميرًا مختلًا بمفردها ومن يظن أن درسًا في الوعي سيوقف شخصًا مدفوعًا بالقهر أو المرض أو الشعور بالإفلات من العقاب، يخلط بين الوقاية والمعالجة.
الوعي
فالوعي يرفع مناعة المجتمع، لكنه لا يعالج جذور السلوك الإجرامي وحده، علي الرغم من أن المنع الحقيقي يحتاج لمنظومة قانون يُطبق بلا تهاون، بالإضافة إلي الخطاب الديني والاجتماعي لا يبرر ولا يلوم الضحية، مع دعم نفسي مبكر للحالات المعرضة للانحراف، وأسرة تربي على القيم الأخلاقية مع احترام الإنسان لا على ازدواجية المعايير الخطورة هنا ياسادة في المبالغة أننا حين تقع الجريمة رغم وجود التوعية، يبدأ البعض في التشكيك في جدوى التربية الجنسية نفسها، وهذا خطأ استراتيجي التثقيف ليس فشلًا لأنه لم يمنع كل الجرائم، تمامًا كما أن تعليم قواعد المرور لا يمنع كل الحوادث لكنه يقلل المخاطر، ويرفع احتمالات النجاة ومن جانب آخر، يتطلب التعامل الجاد مع الجرائم الجنسية بشجاعة، والاعتراف أن هناك مشكلة أعمق من درس، وأوسع من حملة توعوية، وهي قضية ثقافة، وسلطة، وعدالة، ومسؤولية جماعية، منوهة إلي الوعي بالتربية الجنسية خطوة أساسية، لكنه بداية الطريق، لا نهايته وأخيرا، الردع الحقيقي، فيصنعه مجتمع لا يساوم على الكرامة، ولا يتهاون مع الجرم، ولا يختبئ خلف شعارات مريحة.






