و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

 في ظهر يوم عادي داخل قرية هادئة اسمها ميت عاصم بمحافظة القليوبية، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول شارع بسيط إلى مسرح إذلال علني، ولا أن يتحول خلاف عاطفي إلى حكم جماعي بالتشهير القصة بدأت — كما ورد في التحقيقات — بسبب علاقة عاطفية بين شاب وفتاة من القرية. خلاف كان يمكن أن يُحل بعقل أو بأهل أو حتى ببلاغ رسمي إن وُجد خطأ. لكن ما حدث تجاوز كل ذلك.

تجمّع عدد من الأشخاص حول الشاب. لم يكن نقاشًا ولا عتابًا، بل “عقابًا” كما تخيلوه. أجبروه على ارتداء بدلة رقص نسائية، وضعوه على كرسي في الشارع، التفّوا حوله، بعضهم يضحك وبعضهم يصوّر، وبعضهم يشارك في الاعتداء والسخرية.

مشهد صادم… ليس فقط بسبب الفعل، بل بسبب العلنية الشارع صار منصة، والهواتف صارت أدوات توثيق، والكرامة الإنسانية تُنتهك أمام الجميع.

المشهد لم يكن غريبًا على ذاكرة الدراما. كثيرون تذكّروا لقطة شهيرة من مسلسل الأسطورة للفنان محمد رمضان، حيث ظهر مشهد إذلال علني قريب في فكرته من الواقعة. هناك كان الأمر دراما مكتوبة، تمثيل أمام كاميرات، سيناريو معدّ للإثارة. لكن الخطر يبدأ حين تخرج المشاهد من الشاشة إلى الشارع، وحين يتحول الخيال إلى سلوك يُقلَّد. السوشيال ميديا لعبت دورًا خطيرًا؛ فالمشاهد الصادمة تنتشر بسرعة، وتُعاد آلاف المرات، ومع التكرار يفقد البعض حسّ الفارق بين التمثيل والواقع، بين الدراما والقانون، بين مشهد يُكتب للإثارة ومشهد يُرتكب بحق إنسان حقيقي.

الفيديو انتشر سريعًا، والغضب اشتعل على مواقع التواصل. السؤال كان واضحًا: كيف يُهان إنسان بهذا الشكل؟ وأين القانون؟ الأجهزة الأمنية تحركت فور انتشار المقطع. تم فحص الفيديو، وتحديد المشاركين فيه، وضبط 9 متهمين بينهم سيدتان من دائرة المركز. المتهمون أقرّوا بما حدث، وقالوا إن الدافع كان اعتراضهم على العلاقة وأنهم أرادوا “تلقينه درسًا”. النيابة باشرت التحقيق، والإجراءات القانونية بدأت.

لكن منذ متى كان “الدرس” يعني إهانة؟

ومن أعطى أحدًا حق أن يكون قاضيًا وجلادًا في لحظة واحدة؟ حتى لو كان هذا الشاب مخطئًا — وحتى لو أخطأ ألف خطأ — فهناك قانون يُحاسب. الكرامة لا تسقط بالخطأ، والعقاب له طريق واحد اسمه العدالة.

والأخطر من الواقعة نفسها هو ما بعدها بعد أن تُغلق القضية… كيف يعيش هذا الشاب؟ كيف يتزوج؟ كيف يكوّن أسرة في مجتمع لا ينسى؟ كيف يواجه أبناءه يومًا ما إن كبروا ووجدوا الفيديو منتشرًا؟ الإهانة العلنية لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تبدأ بعده.

لهذا فإن الحكم هنا يجب أن يكون رادعًا. لأن العقوبة غير الرادعة لا تُنهي الظاهرة، بل تُشجعها. حين يشعر البعض أن إذلال إنسان يمكن تجاوزه بسهولة، سيتكرر المشهد. وسيتحول “تلقين الدرس” إلى ثقافة.

في بعض القرى ما زالت فكرة “الردع الشعبي” حاضرة؛ عرف غير مكتوب يرى أن الشرف يُسترد بالإهانة. لكن الحقيقة أن هذا ليس دفاعًا عن الأخلاق، بل اعتداء عليها. وهناك بعد آخر لا يمكن تجاهله: ثقافة التصوير. حين تتحول الإهانة إلى محتوى، ويصبح النشر جزءًا من العقاب، تختلط الرغبة في الردع بالرغبة في الاستعراض.

ورغم كل ذلك، تبقى حقيقة مهمة: الدولة تحركت، وتم القبض على المتهمين، ولم تُترك الواقعة لصلح عرفي أو اعتذار عابر. وهذا هو الفارق بين دولة يحكمها قانون، ومشهد شارع يظن أصحابه أنهم يملكون العدالة.

تبقى الأسئلة معلقة:
أين إنسانيتنا قبل قانوننا؟
وأين ضمائرنا قبل هواتفنا؟

الكرامة الإنسانية ليست رأيًا، ولا وجهة نظر، ولا درسًا يُلقَّن. هي حق.
وحين يُذبح الإنسان معنويًا أمام الكاميرا، فالقضية لا تخص شخصًا واحدًا… بل تخصنا جميعًا

تم نسخ الرابط