و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

حل عام كامل على تولي منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، وهو منصب لا يمكن التعامل معه باعتباره وظيفة إدارية عادية أو موقعًا بروتوكوليًا، بل هو موقع قيادي فكري من الطراز الأول، يرتبط بشكل مباشر بمصير الثقافة المصرية، ودورها في تشكيل الوعي العام، وصيانة الهوية، ومواجهة موجات التفريغ المعرفي والتسطيح التي تضرب المجتمع من أطرافه كافة، غير أن هذا العام مر ثقيلًا وبلا ملامح، وكأن الزمن الثقافي توقف، أو اكتفى بالدوران في الحلقة ذاتها دون أي اختراق حقيقي.

فالمجلس الأعلى للثقافة، تاريخيا، لم يكن مجرد جهة تنظم ندوات أو تمنح جوائز، بل كان ساحة اشتباك فكري، ومنصة للأسئلة الكبرى، ومرجعًا استشاريًا للدولة في لحظات التحول، وكان يُنتظر من أمينه العام أن يكون صاحب مشروع، لا مجرد مدير جلسات، وأن يمتلك تصورًا واضحًا لدور الثقافة في زمن التغيرات المتسارعة، لا أن يكتفي بإدارة الإرث القديم بالآليات نفسها، والعقلية ذاتها.

لكن المتابع لأداء المجلس خلال العام الماضي يلحظ غيابا شبه كامل لأي رؤية ثقافية متكاملة، لم نسمع عن مشروع وطني للقراءة، ولا عن استراتيجية حقيقية لدعم المثقف الشاب، ولا عن خطة لإعادة دمج الثقافة في المجال العام، ولا حتى عن محاولة جادة لتجديد خطاب المجلس أو أدواته، كل ما طُرح كان في إطار أنشطة متفرقة، منفصلة عن سياق عام أو هدف واضح، وكأن الثقافة تحولت إلى جدول فعاليات، لا إلى فعل اجتماعي مؤثر.

الحديث المتكرر عن أعداد كبيرة من الندوات والمؤتمرات لا يمكن اعتباره إنجازا في حد ذاته، لأن الثقافة لا تقاس بالأرقام، بل بالأثر، السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا أضافت هذه الفعاليات إلى الوعي العام؟ ما القضايا التي فجرتها؟ ما النقاشات التي حركتها؟ وأين انعكاسها في الشارع الثقافي أو في النقاش العام؟ الإجابة المؤلمة أن الأثر يكاد يكون معدومًا، وأن معظم ما جرى مر دون أن يترك صدى حقيقيا لدى المثقفين أو الجمهور.

 

الأخطر من ذلك أن المجلس الأعلى للثقافة، في ظل هذه الإدارة، بدا منفصلا عن لحظته التاريخية، فنحن نعيش زمنًا تتصارع فيه الأفكار، وتتغير فيه أنماط التلقي، وتتصاعد فيه الحاجة إلى خطاب ثقافي جديد قادر على مخاطبة الأجيال الشابة، ومواجهة خطاب الكراهية، والرد على التطرف، والتصدي للرداءة، ومع ذلك، ظل المجلس حبيس القاعات المغلقة، واللغة التقليدية، والوجوه المكررة، دون أي محاولة جادة لاختراق هذا الجمود.

كما أن الدور القيادي للأمين العام، بوصفه مثقفا ومسؤولًا، لم يظهر بالقدر الذي يليق بالموقع، لم نلمس حضورا فكريا مؤثرا، ولا مبادرات شخصية تعكس شغفا حقيقيًا بالثقافة، ولا حتى مواقف واضحة من قضايا ثقافية شائكة، بدا الأمر وكأن المنصب أكبر من صاحبه، أو كأن إدارة المنظومة تتم بعقلية الحفاظ على الوضع القائم، لا تغييره أو تطويره.

إن استمرار هذا الأداء يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار، وحول الفارق بين السيرة الذاتية والقدرة الفعلية على القيادة، فالثقافة لا تُدار بالخبرة الإدارية وحدها، بل تحتاج إلى خيال، وجرأة، وإحساس بالمسؤولية التاريخية، ووجود شخص على رأس هذه المنظومة دون أن يقدم إضافة حقيقية، أو يترك بصمة واضحة، لا يمكن وصفه إلا بأنه إهدار لفرصة ثمينة، وظلم بين لمؤسسة عريقة، ولحظة ثقافية حرجة.

إن المشكلة لا تتعلق بشخص بقدر ما تتعلق بفكرة الإدارة نفسها، فحين تصبح الثقافة مجرد ملف يدار، لا قضية يقاتل من أجلها، تفقد معناها ودورها، وحين يغيب المشروع، يصبح المنصب عبئا لا قيمة له، وبعد عام كامل، يبدو أن وجود الدكتور أشرف العزازي على رأس المجلس الأعلى للثقافة لم يترجم إلى إنجازات تتناسب مع حجم الموقع أو قيمة الثقافة المصرية، وهو ما يستدعي مراجعة جادة، لا مجاملة فيها، ولا خوف من طرح الأسئلة الصعبة.

في النهاية، الثقافة ليست ترفا، ولا نشاطا جانبيا، بل هي خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع، وأي تقصير في إدارتها هو تقصير في حق المستقبل، وإذا كان عام قد مر بلا إنجاز يذكر، فإن الاستمرار على النهج ذاته لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى قيادة ثقافية حقيقية، لا مجرد إدارة بلا روح.

مع كامل الاحترام

ومن بين الاعتراضات الجوهرية التي يطرحها كثيرون في تقييم هذا الاختيار، يأتي التساؤل المشروع حول مدى ملاءمة الخلفية الأكاديمية والتخصص العلمي لطبيعة المنصب، فمع كامل الاحترام للدكتور أشرف العزازي كشخص وأستاذ جامعي، يبقى من حق الوسط الثقافي أن يناقش فكرة أن يكون أستاذ لغة إفريقية على رأس منظومة ثقافية بحجم وتعقيد المجلس الأعلى للثقافة، الذي يفترض أن يقوده مثقف موسوعي، منخرط بعمق في قضايا الفكر، والفلسفة، والأدب، والفنون، وصراعاتها الراهنة، الثقافة، بمعناها الواسع، ليست ملفا لغويا أو تخصصا أكاديميا محدودا، بل حقل اشتباك معرفي واسع يتطلب خبرة ممتدة في إدارة التنوع الثقافي، وفهما عميقا لحركة الإبداع والجدل الفكري داخل المجتمع، ومن هنا لا ينطلق الاعتراض من التقليل من قيمة أي تخصص علمي، بل من الإيمان بأن المنصب يتطلب تكوينا ثقافيًا مركزيا وخبرة مباشرة في الحقل الثقافي المصري، وهو ما لم ينعكس بوضوح في الأداء خلال عام كامل من تولي المسؤولية.
وللحديث بقية

تم نسخ الرابط