نظرا لأن الكشف عن ملفات جيفري إبستين صار ترند الإعلام والسوشيال ميديا في كل العالم وبكل اللغات، فإن عنوان "خطاب عربي تائه" بات هو العنوان الأدق لوصف لغة جمهور الكتاب العرب من مدونيين ويوتيوبرز، فضلا عن الصحفيين والإعلاميين.
إذ صاروا جميعا يتناولون موضوع ملفات جيفري إبستين بالكتابة والوصف والتحليل، لكن مما يثير التعجب هو حجم الدهشة والاستغراب التي يبديها كل هؤلاء، حول الممارسات الإباحية والانحلالية التي سادت التجمعات والحفلات التي أدارها جيفري إبستين، إن في جزيرته «ليتل سانت جيمس» أو بقصره في مانهاتن.
فهل كان يظن كل هؤلاء الكتاب والإعلاميين أن الأوروبيين والأمريكان يقضون أوقات حفلاتهم الصاخبة في تلاوة آيات الذكر الحكيم، وقراءة باقة من أحاديث صحيح البخاري؟!؟!؟
نعم من المستهجن في العادات الأوروبية والأمريكية اغتصاب الرفيقة بغير رضاها أو ممارسة الجنس مع القصر، ولكن غير ذلك فهو ليس فقط مباحا وإنما هو شائع جدا عندهم، فعلى أي شيء يتباكى الكتاب والمعلقون والإعلاميون العرب؟؟!!
إن تركيز الخطاب العربي في تناول هذه الملفات على الجانب القيمي بشكل غير واقعي يمثل نوعا من اللغو في (ركوب الترند) بما لا يخدم التنوير المفترض للرأي العام، فعملية وضع رموز من النخب السياسة تحت السيطرة لجهة ما عبر التسجيل لها بالصور أو بالفيديو وهم بحالات يخشون افتضاحها، هو أمر قديم ومعتاد عند كل أجهزة الاستخبارات الكبرى.
ولا شك أن هذا جزءا مما فعله جيفري إبستين عبر جزيرته وبيوته الأخرى، ولأن القيم في الغرب لا تحرم الإباحية المعتادة عندهم، فلزم أن يورطهم فيما يخجلهم ويدمر سمعتهم لو انكشف مثل الاغتصاب ومواقعة القاصرات و..الخ.
ومن ناحية أخرى فعملية السيطرة على أشخاص من النخب لا تقتصر فقط على التصوير والتهديد بالابتزاز، بل تأتي أيضا عبر الرشوة والمكافآت، وهذا أيضا تم تارة عبر الترشيح للوظائف أو الاجتماعات والمؤتمرات أو الصفقات التجارية الضخمة، أو عبر تقديم كل ألوان الجنس هذه كنوع من مستلزمات الضيافة في جزيرة جيفري إبستين وقصوره الأخرى.
درس غائب
فالدرس الغائب عن الخطاب العربي هو المحور الأساسي في كل هذه الملفات، وهو التأثير في الأحداث بأغلب أنحاء العالم، وليس فقط عبر هذه الحفلات وتسجيلها وتسجيل كل هذه الملفات، ولكن عبر التدخل الناجح والمؤثر في العديد من الأحداث الكبرى بالعالم، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد في الملفات قيام جيفري إبستين بدور مهم وبارز في تحسين العلاقات وترقيتها بين الهند وإسرائيل وبين الهند والولايات المتحدة عام 2017، ودوره البارز في تحسين العلاقات بين دولة عربية وإسرائيل أيضا.
لقد كان جيفري إبستين يدير شبكته كوسيط لرجال الأعمال فيكسب ماليا، كما عمل أيضا للسياسيين كوسيط بينهم وبين آخرين أو بين دول ودول أخرى، ثم إنه أدار شبكته كمؤثر داخلي في بعض الدول كأنه جماعة ضغط «لوبي» خاصة داخل الولايات المتحدة.
ولا شك أن جيفري إبستين لعب هذه الأدوار مبكرا جدا، وإن ظلت شبكته في بدايتها ضئيلة جدا كمجرد مكتب محاماة، في شقة مطلة على سنترال بارك ساوث في مانهاتن بنيويورك، عندما لعب شريكه دورا مهما في عملية "إيران/كونترا" بدءا من عام 1985 حيث اشترت إيران سلاحا أمريكيا عبر وسيط إسرائيلي (تاجر سلاح).
إذن فأغلب الخطاب العربي الراهن تائه في تسطيح النقاش حول ملفات جيفري إبستين بحصره حول الجوانب القيمية والأخلاقية، وهذا غير متوازن لأنه يحاكم قيم الغرب وفقا للقيم الإسلامية والعربية وليس وفقا لقيمهم في الغرب نفسه، أما الجانب الأهم في هذا النقاش فهو عدم موضوعيته لأن موضوعية النقاش تقتضي إدارة النقاش حول موضوع التأثير في الأحداث الكبرى وصناعة وإدارة النفوذ حول العالم كله وموضع المال والعلاقات النافذة في هذه العملية كأدوات رئيسة في هذا كله.
أما إفلاس الغرب قيميا وأخلاقيا فهذا أمر لا يحتاج ملفات جيفري إبستين ولا غيرها لأنه صار كالشمس في رابعة النهار منذ عقود طويلة، فلا يحتاج لبرهان.








