العرب، أو على الأقل الكثير منهم: سياسيين وإعلاميين ورأى عام، مشغولون هذه الأيام بسؤال محدد لم تُحسم إجابته بعد هو: هل ستشُن أمريكا وإسرائيل حربهما على إيران؟ وما هى السيناريوهات المحتملة لإنهاء الأزمة الإيرانية مع أمريكا وإسرائيل؟.
هناك اهتمامات وانشغالات أخرى بالطبع يأتى فى مقدمتها التلهف، لمعرفة المزيد من فضائح «جيفرى إيبستين» وجزيرته التى لم تكن مجرد مسرح لانتهاكات أخلاقية، بل ربما استخدمت "كمصيدة كلاسيكية" لجمع معلومات محرجة عن شخصيات نافذة، عبر ما يُعرف فى عالم الاستخبارات بـ (مصائد العسل)، خصوصًا بعدما كشفت المعلومات أن هذا الرجل (الصهيونى – اليهودى) كان يعمل لمصلحة أجهزة استخبارات ليست أمريكية على الأرجح.
هذان الانشغالان، رغم أهميتهما القصوى، لم نهتم نحن العرب، لا بربطهما معًا، ولا بدراسة وتحليل انعكاساتهما على واقعنا العربى، خاصة ما يتعلق بالآفاق المحتملة للأزمة الإيرانية مع أمريكا وإسرائيل وانعكاساتها على نظامنا العربى، ومستقبل الاستقرار فى الشرق الأوسط فى مجمله، فى ظل التطور الشديد الخطورة، الذى فجره يوم السبت الماضى (21/2/2026) السفير الأمريكى فى إسرائيل «مايك هاكابى» فى حواره مع الإعلامى الأمريكى الشهير «تاكر كارلسون» فى تل أبيب، الذى أكد خلاله أن إسرائيل تملك حقًا دينيًا بالسيطرة على معظم أراضى الشرق الأوسط، وليس فقط على كل أرض فلسطين. كيف سنتعامل مع أبرز السيناريوهات المحتملة للأزمة الأمريكية – الإيرانية المتأججة حاليًا؟
فهذه السيناريوهات تكاد تكون محصورة بين خيارين: إما الحرب على إيران، التى أضحت وشيكة، وفقًا لأحدث التقديرات الأمريكية والإسرائيلية، والتى يمكن أن تكون حربًا واسعة، وفقًا لاستعدادات وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون)، وقد تستمر لعدة أسابيع، وقد تشمل قصف منشآت أمنية، بالإضافة إلى البنية التحتية، واغتيال قيادات الصف الأول، بهدف إسقاط النظام، وإما نجاح مسار التفاوض الدبلوماسى الأمريكى – الإيرانى بوساطة عُمانية.
بالنسبة للمسار التفاوضى، تحددت معالمه واحتمالاته بالتصريحات التى أدلى بها وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى، عندما أعلن (20/2/2026) أن «الخيار العسكرى لن يؤدى إلا إلى تعقيد الأمور وسيجلب عواقب كارثية، ليس لنا فحسب، بل ربما للمنطقة بأسرها وللمجتمع الدولى»، لكن وزير الخارجية الإيرانى كان حريصًا على أن يؤكد أنه «لا يوجد حل عسكرى لبرنامج إيران النووى»، موضحًا أن بلاده «مستعدة للحرب ومستعدة للتفاوض بقدر استعدادها للحرب»، وأنها «أثبتت أنها قادرة على الدفاع عن نفسها بأفضل طريقة ممكنة».
المعنى واضح وهو أن إيران مستعدة للحرب، ولن تقبل بالمعروض عليها: إما الاستسلام والتخلى النهائى عن المحظورات الثلاثة: البرنامج النووى والقدرات الصاروخية وعلاقتها بحلفائها الإقليميين، وإما الحرب. فالحرب وفقًا للتقديرات الإيرانية إن فُرضت لن تكون نزهة للأمريكيين والإسرائيليين، بل ستكون حربًا إقليمية واسعة وفقًا لتقديرات المرشد الأعلى على خامنئى.
خيار الحرب الإيرانية
معظم الترجيحات تعطى الأولوية لخيار الحرب، نظرًا لأن إيران ترفض بقوة شروط الحل التفاوضى الأمريكية، وأن هذه الحرب إن وقعت ستكون محكومة بثلاثة احتمالات: إما أن تؤدى إلى إسقاط النظام فعلًا فى إيران وتدمير القدرات النوورية والصاروخية الإيرانية، ومن ثم إخراج إيران من معادلة الأمن الإقليمى وإطلاق إسرائيل قوة إقليمية مسيطرة. وإما أن تُحدث تدميًرا متبادلًا لإيران وللقدرات الأمريكية ولكيان الاحتلال الإسرائيلى، وتفرض بالتالى معادلة أمن إقليمى جديدة شديدة الاضطراب، وإما أن تخرج إيران منتصرة بخسائر لا تقارن بالخسائر الإسرائيلية والأمريكية.
وهذا بدوره يفرض أيضًا معادلة أمن إقليمى جديدة لمصلحة إيران وفى غير مصلحة إسرائيل. أين نحن من هذه الاحتمالات الثلاثة؟ هل نحن محايدون من هذه الاحتمالات؟ هل دورنا هو فقط المراقبة والتساؤل؟ وأين هذا كله من تصريحات السفير الأمريكى فى إسرائيل مايك هاكابى، المؤمن بما قاله عن مفهوم «إسرائيل الكبرى» وإشارته إلى ما ورد بخصوص ذلك بـ «سفر التكوين -15» الذى يصف حوار الله (سبحانه) مع سيدنا إبراهيم عليه السلام، حول هبة الأرض من «نيل مصر إلى فرات العراق» وأن لإسرائيل الحق فى أراض تشمل كل الأردن وسوريا ولبنان، إضافة إلى مساحات واسعة من مصر والسعودية والعراق.
التحديات هائلة والمخاطر غير محدودة ، ونحن لسنا ضيوفًا على هذه الأرض هى أرضنا ووطننا العربى الكبير، ولم يعد مقبولًا أن نكتفى بالتساؤلات ولا حتى بالإدانات على نحو الإدانات الرسمية العربية التى انتقدت تصريحات ذلك السفير الأمريكى، لأسباب كثيرة أبرزها أن ما يتأكد أمامنا يومًا بعد يوم، سواء ما يتعلق بالمخاطر التى يمكن أن تتهددنا نحن العرب، فى حالة إسقاط النظام فى إيران، ومن ثم تغوُّل المشروع والأطماع الإسرائيلية، فنحن أول من سيدفع الثمن، إذا تحولت إسرائيل إلى قوة عظمى إقليمية، فى ظل ارتكازها على تلك المقولات التوراتية المزيفة التى وردت على لسان السفير الأمريكى، فسبق أن وردت منذ أشهر على لسان بنيامين نيتانياهو، وها هى حكومة كيان الاحتلال بدأت فى تسجيل أجزاء كبيرة من الضفة الغربية كأرض تابعة لإسرائيل. فوزير المالية زعيم تيار «الصهيونية المسيحية» بتسلئيل سموترتيش يقول إن تسجيل الأرض سيواصل "ثورة الاستيطان والحكم فى جميع أرضنا" فى إشارة إلى «يهودا والسامرة» الاسم التوراتى للضفة الغربية. يقولون هذه التخاريف بخصوص ضم الضفة الغربية، وغدا فى معادلات جديدة لتوازن القوى الإقليمية، سيقولونه بخصوص ضم سوريا أو لبنان أو الأردن، أو ضم ما يريدونه من أراضى السعودية ومصر والعراق.
هل يمكن أن تكفى فى مثل هذا الخطر الإدانات وطرح التساؤلات؟! نحن فى حاجة إلى سياسات وأدوار وإعادة تفعيل نظامنا العربى المتهاوى وأن نوسع فى تكاملنا مع جوارنا الحضارى فى تركيا وإيران وربما باكستان، لخلق واقع آخر بديل فى ظل تحديات أضحت بالنسبة لنا تحديات وجودية.








