و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

لم يكن رحيل صديقي على الفيس بوك مهند الأغا مجرد خبر مؤلم عابر، بل كان صدمة عميقة ضربت القلب في موضعٍ لا يندمل، كنت أبحث عنه منذ سنتين، أحاول الوصول إليه كما يحاول المرء استعادة جزء من ذاكرته، عرفته في أحد المنتديات القديمة على الإنترنت، تلك المساحات التي كانت تجمع أصحاب الشغف والموهبة والكتابة قبل أن تتحول مواقع التواصل إلى ضجيج بلا معنى.

كان مهند مختلفا، شابا مبرمجا بارعا، هادئًا، مهذبا، صاحب خلق رفيع، يتحدث قليلا ويبدع كثيرا، كنت أراه نموذجًا نادرا لجيل يصنع المعرفة بنفسه، ويحلم رغم القسوة، ويصنع الجمال رغم كل ما يحيط به من ظلام.

ومع مرور الوقت، انقطعت أخباره، ومع ذلك ظل اسمه عالقا في ذاكرتي وكأنه موعد مؤجل لم يُحسم بعد، إلى أن جاء اليوم الذي تواصلت فيه مع حسابه ووجدته أونلاين، يا راجل ليه مش بترد؟! قال لي: "مرحبا" قلت له: أنا زعلان يا مهند منك جدًا.. فوجدت الرد أشد قسوة من كل الاحتمالات التي كانت في ذهني، قال لي أنا لست مهند انا شقيقة..  قلت له: أين مهند؟.. فرد بصمت: مهند استشهد، وزوجته وبناته، ووالدي ووالدتي في إحدى غارات الاحتلال على غزة في أول أيام الحرب.

لم أستوعب الجملة في بدايتها، كيف يتحول إنسان عرفته بكل تلك الطاقة والموهبة إلى خبر ينتهي عند كلمة استشهد؟ كيف يموت هذا القدر من الجمال دفعة واحدة؟ وكيف تمحى عائلة بأكملها من السجل المدني ومن الحياة في لحظة واحدة تحت قصف لا يميز بين روح وروح؟

ظل الخبر يهزني من الداخل، لأنه لم يكن خبرا سياسيا أو رقما من أرقام الحرب، كان باسم صديق، بوجه صديق، وبذكريات كانت تضيء سنواتي الأولى في التعلم والشغف، عندها فقط فهمت هذا النوع من الألم الذي لا يستطيع أحد وصفه، الألم الذي يجعلك تتساءل كيف يمكن لضمير بشري أن يسمح بمقتل عائلة كاملة بلا ذنب، وكيف سيقف بنيامين نتنياهو يوما أمام الله حين يسأل عن كل طفل وامرأة ورجل قتلوا بلا سبب، وعن كل بيت سوّي بالأرض، وعن كل حلم ورضيع دفن تحت الأنقاض؟ بأي ذنب قُتلت هذه الأرواح الطاهرة؟ وبأي منطق تمحى مدن ويباد بشر لأنهم فقط يعيشون على أرض اسمها غزة؟

رحيل مهند

رحيل مهند ليس حالة فردية، غزة  أصبحت مقبرة لأحلام لا تعد، ولعقول كان يمكن أن تبني أوطانًا، ولأطفال كان يمكن أن يكونوا أطباء وعلماء وفنانين، الاحتلال لا يقتل الناس فقط، بل يقتل المستقبل، يقتل القدرة على الحلم، ومع ذلك، ورغم كل هذا الدمار، فإن الحقيقة التي تتكرر عبر التاريخ أبسط من كل التحليلات: الاحتلال لا يدوم، القوة لا تضمن البقاء، والجريمة لا تؤسس لدولة مهما امتلكت من جيش وسلاح ودعم دولي، إسرائيل قد تملك القوة العسكرية، لكنها تفتقد الشيء الذي يضمن بقاء الأمم: الحق، والحق مع الفلسطيني، ومع كل دم طاهر سفك، ومع كل روح صعدت إلى الله تشكو ظلما لم يشهد له العصر الحديث مثيلا.

ورغم قسوة اللحظة، فإن هذا الألم نفسه يؤكد أن المعركة لم تنتهِ، وأن الحكاية لم تغلق صفحاتها بعد، الحرب ليست صاروخا وطائرة فقط، بل ذاكرة، وإرادة، وإيمان بأن شعبا كهذا لا يهزم، غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، بل هي رمز لكرامةٍ عصيّة على الكسر، ولصمودٍ لا يقدر عليه إلا شعب يعرف أن الظلام مهما طال… فالفجر آت، إسرائيل قد تفرض واقعا بالقوة، لكنها لن تغير اتجاه التاريخ، موعدها إلى زوال، وهذه ليست أمنية عاطفية، بل حقيقة أثبتها الزمن مع كل قوة غاشمة ظنت يوما أنها خالدة.

نم في سلام يا مهند.. نم مطمئنا أنت وزوجتك وبناتك، لقد رحلتم بأجسادكم، لكنكم باقون في الوجدان، وفي الذاكرة، وفي سجل الشرف الذي لا يُمحى، باقون ما بقي الظلم، وما بقي من يكتب اسمكم ويشهد على ألمكم، سنلتقي في الجنة يا صديقي… أما في الدنيا، فستظل ذكراك نارا تحت الرماد، وشاهدا على أن الدم لا يهزم، وأن الضمير العالمي مهما صمت، فإن التاريخ سيكتب الحقيقة كاملة يومًا: أن الاحتلال مهما اشتد… فهو إلى زوال.

أدرك أن الحكاية أكبر من الأشخاص، إنها حكاية شعب كامل تسفك دماؤه بلا رحمة، شهداء غزة ليسوا أرقاما تقرأ في نشرات الأخبار، بل وجوه كانت تضحك، وأصوات كانت تملأ البيوت حياة، وأحلام كانت تستعد لتكبر، هم أطفال ناموا قبل أن يعرفوا معنى العالم، ونساء حملن البيوت على أكتافهن، ورجال وقفوا في العتمة يحرسون ما تبقى من وطن ينهار تحت القصف.

أرواحهم البريئة تصعد إلى الله ومعها سؤال واحد: لماذا؟ بأي ذنب؟ أي جرم ارتكبته هذه الأرض ليقتل أهلها كل هذا القتل؟ إن دماء شهداء غزة تبكي، تصرخ، تكتب على جدران الكون أن غزة لا تهزم، وأن الظلم لا يدوم، وأن الله حين يأذن، سيقتص لكل روح طاهرة رُفعت إليه وهي تحمل وجع أمة كاملة، هؤلاء الشهداء هم نور الطريق، وهم سبب البقاء، وهم الدليل الحي على أن الاحتلال مهما طال… فإن الفجر المكتوب لهم آت لا محالة. 

تم نسخ الرابط