لتحقيق الردع العام
جنايات الجيزة تطرق أبواب مجلس النواب وتطالب بتنفيذ أحكام الإعدام علانية
في خطوة قانونية لافتة، ناشدت محكمة جنايات الجيزة مجلس النواب بضرورة تعديل المادة القانونية المنظمة لتنفيذ عقوبة الإعدام، بما يسمح ببثها عبر وسائل الإعلام ولو لمرة واحدة أو في بدايتها، وذلك لتعظيم الغرض من العقوبة وهو «الردع العام».
تأتي هذه المناشدة في ظل تصاعد القضايا التي تمس أمن المجتمع، حيث ترى المحكمة أن تنفيذ العقوبة في الخفاء خلف جدران السجون لم يعد يحقق الزجر الكافي لمجرمين يرتكبون جرائمهم بدم بارد.
وتعد محكمة جنايات المنصورة هي صاحبة السابقة الأولى البارزة في هذا الشأن، حيث أودعت حيثيات حكمها بإعدام قاتل الطالبة نيرة أشرف مطالبةً المشرع بتعديل المادة 474 من قانون الإجراءات الجنائية للسماح بإذاعة تنفيذ الحكم لتحقيق الردع العام.
وأهابت محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار عفيفي المنوفي، بالمشرّع ضرورة تعديل نص المادة (65) من قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي، المنظمة لتنفيذ عقوبة الإعدام، بما يجيز إذاعة تنفيذ أحكام الإعدام مصوّرة، ولو في جزءٍ يسير من بدء إجراءات التنفيذ، إذ قد يكون في ذلك ما يحقق الردع العام المتبقي، الذي لم يتحقق بعد بإذاعة منطوق الأحكام وحده، ليشفي صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم.
وقالت المحكمة فى ذلك في ظل ما شاع في المجتمع مؤخرًا من جرائم قتل الأطفال الأبرياء بغير ذنب اقترفوه، بلا رحمة ولا شفقة، وبكل قسوة وغدر، حتى بات الآمنون يرتاعون خوفًا وهلَعًا على أطفالهم، وما يلبث المجتمع أن يُفجع بمثل ذات الجرم من جديد.
ومن هذا المنطلق، تناشد المحكمة المشرّع أن يجعل تنفيذ العقاب بالحق مشهودًا، مثلما صار الدم المسفوح بغير حق مشهودًا.
جاء ذذلك خلال النطق بالحكم بإعدام المتهم طفل لم يتجاوز عامه الثالث بقرية بمها التابعة لمركز العياط بمحافظة الجيزة فى ديسمبر من عام 2023.
رغبة فى الانتقام
القضية بدأت بخلافات أسرية مكتومة، تحولت – وفق ما انتهت إليه المحكمة – إلى رغبة في الانتقام. المتهم، وهو عمّ الطفل، دخل في نزاع سابق مع شقيقه وزوجته، وظل يعتقد أن تلك الخلافات سبب ما آلت إليه حياته، حتى قرر أن يوجّه انتقامه إلى طفلهما الصغير.
وأمام النيابة العامة، أدلى المتهم باعترافات تفصيلية، دعمتها الأدلة الفنية والتقارير الرسمية، فيما أكدت تقارير الطب الشرعي سبب الوفاة، وانتهت المحكمة إلى ثبوت جريمتي الخطف والقتل العمد مع سبق الإصرار، وقيام الاقتران بين الجريمتين، وهو ما استوجب توقيع أقصى عقوبة.
وبعد إحالة أوراق القضية إلى فضيلة مفتي الجمهورية، الذي أيّد توقيع عقوبة الإعدام قصاصًا، أصدرت محكمة جنايات الجيزة حكمها بإجماع الآراء، بمعاقبة المتهم بالإعدام شنقًا، وإلزامه بالمصاريف الجنائية، مع إحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المختصة.
لكن الحكم لم يتوقف عند حدود الإدانة والعقاب، ففي ختام حيثياتها، أطلقت المحكمة رسالة لافتة، عبّرت فيها عن قلقها من تزايد جرائم قتل الأطفال الأبرياء، وما تتركه من رعب في نفوس الأسر، مطالبة المشرّع بإعادة النظر في آلية تنفيذ عقوبة الإعدام، والسماح ببثها – ولو جزئيًا – لتحقيق ردع عام حقيقي، في مواجهة جرائم باتت تهدد أمن المجتمع وسلامه.
وشهدت مصر واقعة شهيرة في عام 1998، حين سمحت السلطات ببث جانب من تنفيذ حكم الإعدام بحق 3 مدانين بقتل سيدة وأطفالها بمدينة نصر وهي القضية المعروفة بقضية «مهندسة مدينة نصر».
وفي السنوات الأخيرة، تم بث لحظات من تنفيذ أحكام أو مقتطفات توثيقية متعلقة بمدانين في قضايا إرهاب كبرى، مثل الإرهابي هشام عشماوي، لتعريف الرأي العام بنهاية العنف.
وينص قانون الإجراءات الجنائية على أن تنفيذ العقوبة يتم داخل السجن أو في مكان سري، بحضور وكيل نيابة ومأمور السجن وطبيب السجن أو مندوب من وزارة الصحة، ويحظر البث المباشر أو العلني إلا بتعديل تشريعي من البرلمان.
تظل هذه المناشدات القضائية محل جدل واسع بين خبراء القانون؛ حيث يرى فريق أنها ضرورة لردع الجريمة، بينما يرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن العلانية قد تتحول إلى «مشهد انتقامي» لا تتماشى مع المعايير الدولية الحديثة.








