لم تعد قضية الصحة النفسية مجرد شأن فردي أو طبي، بل تحولت إلى أحد أخطر التحديات التي تمس بنية الأمن القومي، خاصة في ظل ما شهدته الفترة الأخيرة من تزايد ملحوظ في حالات الانتحار، التي لم تعد أحداثا معزولة، بل باتت ظاهرة تستدعي التوقف والتحليل، فاستمرار هذه الوقائع يكشف عن خلل عميق في التوازن النفسي المجتمعي، ويطرح تساؤلات جوهرية حول البيئة الثقافية والإعلامية ومستوى الوعي العام، ومدى قدرتها على احتواء الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها الأفراد.
إن تصاعد معدلات الانتحار لا يمكن فصله عن طبيعة الخطاب الثقافي والإعلامي السائد، حيث تلعب بعض المضامين الإعلامية دورًا سلبيًا في تكريس مشاعر الإحباط أو تضخيم الأزمات، أو حتى تقديم نماذج سلوكية مضطربة بشكل غير مسؤول، فبدلا من أن يكون الإعلام أداة دعم وتنوير، يتحول في بعض الأحيان إلى عامل ضغط إضافي، من خلال التركيز على الجوانب السلبية، أو تناول قضايا الانتحار بطريقة تفتقر إلى المهنية، وهو ما قد يخلق حالة من "العدوى النفسية" خاصة بين الشباب، الذين يمثلون الفئة الأكثر تأثرًا.
كما أن ضعف الثقافة المجتمعية المرتبطة بالصحة النفسية يسهم بشكل كبير في تفاقم الأزمة، حيث لا يزال كثير من الأفراد ينظرون إلى الاضطرابات النفسية باعتبارها وصمة، أو ضعفا شخصيا، مما يدفعهم إلى كتمان معاناتهم بدلًا من طلب الدعم، هذا الصمت المجتمعي، إلى جانب غياب الوعي الكافي بآليات التعامل مع الضغوط النفسية، يخلق بيئة خصبة لتفاقم الأزمات الفردية، التي قد تنتهي في بعض الحالات إلى قرارات مأساوية، مثل الانتحار، وبشكل شخصي لقد دفعني إلى كتابة هذا المقال ما كتبة الصديق العزيز د. إبراهيم مجدي حسين أحد كبار استشاري الطب النفسي في مصر.
في نقاشنا سوينا أكدنا أن خطورة هذه الظاهرة لا تقف عند حدود البعد الإنساني، بل تمتد لتشكل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الوطني، ففقدان أفراد في سن العمل والإنتاج، أو تراجع كفاءة القوى العاملة نتيجة الضغوط النفسية، ينعكس سلبًا على معدلات الإنتاجية والنمو، كما أن الأعباء الاقتصادية الناتجة عن علاج الاضطرابات النفسية، أو التعامل مع تداعياتها الاجتماعية، تمثل ضغطا إضافيا على موارد الدولة، ومع اتساع نطاق المشكلة، تتحول من أزمة فردية إلى تحدٍ اقتصادي هيكلي يؤثر على مسار التنمية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري النظر إلى الإعلام بوصفه شريكًا رئيسيًا في إدارة هذه الأزمة، وليس مجرد ناقل للأحداث، فالدولة مطالبة بأن تنظر بعين الحذر والوعي إلى طبيعة الرسائل الإعلامية المتداولة، وأن تعمل على تصحيح المسار الإعلامي بشكل شامل، من خلال وضع ضوابط مهنية واضحة لتناول قضايا الصحة النفسية والانتحار، وتعزيز المحتوى الذي يدعم الأمل والوعي، بدلًا من تكريس اليأس أو الإثارة غير المسؤولة.
كما أن بناء وعي مجتمعي حقيقي بقضايا الصحة النفسية يتطلب تكاملًا بين مؤسسات التعليم، والإعلام، والمؤسسات الدينية، بحيث يتم تقديم خطاب متوازن يعزز من قيمة الحياة، ويشجع على طلب المساعدة، ويكسر حاجز الصمت والخوف المرتبطين بالاضطرابات النفسية، فالمعركة هنا ليست فقط مع المرض، بل مع الثقافة التي تحيط به، ومع الطريقة التي يتم بها تقديمه وفهمه داخل المجتمع.
إن استمرار تجاهل هذه القضية أو التعامل معها بشكل جزئي قد يؤدي إلى تفاقمها بصورة تهدد التماسك المجتمعي والاستقرار العام، ومن ثم، فإن التعامل الجاد مع الصحة النفسية، وربطها بالسياسات الإعلامية والثقافية، لم يعد خيارا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الإنسان، باعتباره الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني، فالدولة التي تحمي وعي مواطنيها وصحتهم النفسية، إنما تؤسس لأمن قومي أكثر صلابة، واقتصاد أكثر استدامة، ومجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
بناء الانسان
ولذا أكرر أنه في ظل تفاقم المؤشرات المرتبطة بتدهور الصحة النفسية وتزايد السلوكيات الخطرة، بات لزاما على الدولة أن تتحرك بكل ما أُوتيت من قوة نحو الاستثمار الحقيقي في بناء الإنسان، من خلال تعزيز منظومة الثقافة والمعرفة والوعي، باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الانهيار النفسي والفكري، ولم يعد مقبولًا التعامل مع هذه الملفات باعتبارها قضايا هامشية، بل يجب أن تتصدر أولويات العمل الوطني، عبر تطوير الخطاب الثقافي والإعلامي، وتوسيع نطاق التوعية المجتمعية بأساليب علمية ومهنية.
كما يجب أن يبرز الدور الحيوي لكل من الأزهر الشريف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية في ترسيخ الوازع الديني المعتدل، الذي يعزز قيمة الحياة، ويواجه خطاب اليأس والتطرف والانغلاق، من خلال خطاب ديني مستنير يواكب التحديات المعاصرة، إن اللحظة الراهنة تفرض تحركا عاجلًا وحاسمًا، يقوم على تكامل مؤسسات الدولة كافة، لوضع حلول جذرية تعيد التوازن للمجتمع، وتحمي شبابه من الانزلاق نحو مسارات تهدد حاضر الوطن ومستقبله.








