و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

يحمل خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية عيد الشرطة قيمة استثنائية في مسار الإصلاح المؤسسي، ليس فقط لأنه لاقى قبولًا شعبيًا واسعًا وتقديرًا واضحًا من قطاعات كبيرة من المصريين، ولكن لأنه عبر بوضوح عن عدم رضا القيادة السياسية عن الأداء المؤسسي القائم.

هذا القبول لم ينبع من حدة العبارة، بل من إدراك عام بأن الرئيس يضع يده على جوهرالأزمة، استمرار مواقع قيادية دون معرفة دقيقة بالمؤسسة، ودون نتائج قابلة للقياس، ودون مساءلة حقيقية، من هنا، فإن الخطاب لا يمثل موقفًا أخلاقيا فحسب، بل إعلانًا سياسيا عن ضرورة الانتقال من إدارة الواقع إلى إصلاح البنية.

في صميم هذا الخطاب يبرز مفهوم الإصلاح المؤسسي بوصفه عملية شاملة تتجاوز تغيير الأشخاص إلى إعادة تصميم القواعد الحاكمة للعمل العام، قول الرئيس : «اللي مش عارف المؤسسة بتاعته فيها إيه يغادر» يعكس منطقًا حوكميًا واضحًا: المعرفة شرط للقيادة، والقيادة لا تُقاس بالاستمرار بل بالقدرة على إنتاج نتائج ذات قيمة عامة.

ومن منظور دراسات الحوكمة، هذا القول يضع معيارا للشرعية الإدارية قائما على الفهم، والتخطيط، والتنفيذ، والتقييم، وهو معيار لم يفعل بعد بالشكل الكافي داخل مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسات المعرفية.

عند توجيه هذا المعيار إلى الجامعات، تظهر فجوة هي الأخطر في مشروع الإصلاح، فالجامعة ليست مؤسسة خدمية تقليدية، بل هي العقل المنظم لإنتاج المعرفة والسياسات والكوادر، ومع ذلك، تفتقر الجامعات المصرية إلى أنظمة مساءلة مؤسسية واضحة لقياداتها.

لا توجد معايير وطنية ملزمة تقيس أداء رؤساء الجامعات وفق مخرجات البحث العلمي، أو مدى ارتباط هذا البحث بأولويات الدولة، أو تأثير الجامعة في الاقتصاد المعرفي والابتكار استمرار القيادات الجامعية دون تقييم دوري صارم لا يتعارض فقط مع خطاب الرئيس، بل ينسف منطق الإصلاح المؤسسي من جذوره.

ويزداد الخلل حين ننتقل إلى مستوى التعليم العالي كمنظومة، فالإدارة السائدة تميل إلى إعادة إنتاج البيروقراطية أكثر من إنتاج المعرفة، التوسع في عدد الجامعات والبرامج لم يصاحبه بناء منظومة حوكمة حديثة تعتمد على مؤشرات أداء، أو ربط التمويل بالنتائج، أو الفصل الواضح بين القيادة الأكاديمية والإدارة الإجرائية، هنا يبرز سؤال لا يمكن لصناع القرار تجاهله:  كيف يمكن الحديث عن إصلاح مؤسسي بينما أكثر القطاعات تأثيرا في مستقبل الدولة تُدار بلا أدوات قياس حقيقية؟.

هذا النمط من الإدارة لا يُصنف ضمن الفساد الجنائي، لكنه يمثل ما يمكن تسميته الفساد المؤسسي الصامت؛ فساد يسمح باستمرار الضعف دون محاسبة، ويكافئ الاستقرار الشكلي بدل الإنجاز الفعلي، وهو أخطر من الفساد التقليدي لأنه لا يثير صدامًا مباشرًا، لكنه يفرغ المؤسسات من قدرتها على التجديد، ويُبقي الدولة في حالة إدارة للأزمة بدل تجاوزها.

بعد آخر

أما قطاع الثقافة، فهو يعكس بعدًا آخر من الأزمة المؤسسية، الثقافة تُدار غالبًا بوصفها نشاطًا رمزيًا لا سياسة عامة، لا توجد أدوات تقيس أثر السياسات الثقافية في تشكيل الوعي، أو في دعم التفكير النقدي، أو في مواجهة التطرف والانغلاق، في غياب هذه الأدوات، يصبح من الصعب تبرير استمرار القيادات الثقافية أو تقييم نجاحها، وهنا يفرض خطاب الرئيس سؤالًا جوهريًا على صناع القرار:  ما القيمة العامة التي يضيفها قطاع الثقافة اليوم، وكيف يمكن قياسها؟.

الشق الأخلاقي في خطاب الرئيس، حين تحدث عن المحاسبة أمام الله والناس، لا يجب قراءته بوصفه خطابًا وعظيًا، بل كدعوة لتأسيس ضمير مؤسسي غائب عن كثير من مواقع القرار، الدولة الحديثة لا تُدار بالقانون فقط، بل بثقافة مساءلة داخلية تجعل المسؤول يسأل نفسه قبل أن يُسأل، غياب هذا الضمير هو ما يسمح بتطبيع الأداء المتوسط، وتبرير الفشل، وتحويل المنصب من مسؤولية مؤقتة إلى وضع دائم.

لقد كان خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي فرصة نادرة لإعادة ضبط البوصلة المؤسسية للدولة، الخلل لا يكمن في الرؤية السياسية، بل في غياب الآليات التي تحول هذه الرؤية إلى سياسات تنفيذية قابلة للقياس والمراجعة.

وإذا كانت الجامعات والتعليم العالي والثقافة والإعلام هي الركائز الأساسية لأي مشروع إصلاح مستدام، فإن إخضاعها لمنطق الحوكمة الصارمة، والتقييم الدوري، وربط القيادة بالنتائج، لم يعد خيارًا إصلاحيًا، بل ضرورة وجودية لمستقبل الدولة.

تم نسخ الرابط